تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

"مطبخ حضرموت"، بين الإرث الغني والسطو والإهمال

"المطبخ هو ثقافة" هذه عبارة شائعة في إيطاليا تعبر عن الاعتزاز بالمطبخ باعتباره جزءاً من الهوية الوطنية للشعوب والبلدان.

يُعد المطبخ الحضرمي واحداً من أغنى وأعرق المطابخ العربية، ليس فقط بتنوع أطباقه وطرق تحضيرها واعدادها، بل بعمقه التاريخي وامتداده الجغرافي الذي تجاوز حدود حضرموت إلى الخليج العربي وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، هذا المطبخ ليس مجرد وصفات للطعام، بل هو سجل حيّ للهجرة والتجارة والتبادل الثقافي الذي ميّز الإنسان الحضرمي عبر قرون طويلة.

وقد أبدع الحضارم في تقديم أطباق أصبحت اليوم علامات مميزة في المطبخ العربي، مثل المندي، والمظبي، والمدفون، والحنيذ والزربيان، والهريس والعصيد، وغيرها، إلى جانب أطباق بحرية فريدة تعكس ارتباط حضرموت العميق بالبحر كالصيادية وسمك اللخم وغيرها، كما تميز الحضارم بالحلويات الحضرمية مثل الكعك والخمير والحلوى والمشبَّك وغيرها والتي تتميز بنكهاتها الخاصة التي يصعب تقليدها بنفس الروح والمذاق.

لكن المفارقة المؤلمة أن هناك سطو ثقافي في صمت على المطبخ الحضرمي،  فكثيراً من هذه الأطباق نُسبت مع مرور الوقت إلى مطابخ أخرى فأصبحت تُقدَّم في بعض الدول على أنها جزء من تراثها الوطني، رغم أن جذورها حضرمية خالصة، فقد ساهم انتشار الحضارم في بلدان مثل إندونيسيا وماليزيا ودول الخليج وشرق أفريقيا في نقل هذا التراث، إلا أن غياب التوثيق الرسمي جعل بعض المجتمعات تتبنى هذه الأطباق وتنسبها إليها.

ونعلم أن هذا السطو الثقافي لا يحدث دائماً بنية سيئة، بل نتيجة فراغ تركه غياب التوثيق والتعريف الرسمي بالمطبخ الحضرمي كهوية مستقلة، وهنا يبرز تقصير واضح من الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة الإعلام والثقافة السياحة اليمنية، وكذلك المؤسسات الثقافية في حضرموت والتي لم تبذل الجهد الكافي لتوثيق هذا الإرث وحمايته وتسجيله ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي كما تفعل كثير من الدول عبر اليونسكو.

ورغم هذا التقصير، استطاع المطبخ الحضرمي أن يفرض نفسه عالمياً بجودته وتميزه، ويكفي دليلاً على ذلك هو انتشار مطاعم تحمل اسم "مطعم حضرموت" في بلدان سياحية عربية وغير عربية، فلم يكن اختيار هذا الاسم عبثاً، بل لأنه أصبح علامة تجارية ثقافية مرتبطة بالجودة والنكهة الأصيلة والكرم الحضرمي المعروف.

لقد أصبح اسم "مطعم حضرموت" يُستخدم كوسيلة جذب للسياح العرب والأجانب في تلك البلدان لما يحمله من سمعة طيبة وثقة متراكمة عبر عقود، وهذا بحد ذاته دليل على قوة هذا المطبخ وتأثيره، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم التقصير في تحويل هذه السمعة إلى مكسب ثقافي واقتصادي رسمي يعود بالنفع على موطنه الأصلي.

إن حماية المطبخ الحضرمي هو مسألة هوية وذاكرة وتاريخ، وهي مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والباحثين والإعلام والمجتمع، فيجب أن تبدأ بخطوات واضحة، مثل توثيق الوصفات الحضرمية رسمياً، وإصدار كتب ومراجع معتمدة عن هذا المطبخ، وتنظيم مهرجانات للمطبخ الحضرمي، والعمل على تسجيله ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي.

المطبخ الحضرمي ليس مجرد إرث محلي، بل هو كنز ثقافي عالمي نشأ في حضرموت وانتشر إلى العالم، ولا يزال يحمل اسمها بكل فخر، لكنه اليوم بحاجة إلى من يحميه ويحفظه قبل أن يُنسب بالكامل إلى غير أهله.