تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

القوة الناعمة لحضرموت... هل نعرف كيف نصنع النفوذ؟

عندما نتحدث عن قوة حضرموت، غالبًا ما تتجه أنظارنا إلى النفط، والثروة، والساحل، والموقع الجغرافي.
لكن هناك نوعًا آخر من القوة قد يكون أكثر استدامة من النفط، وأوسع تأثيرًا من الجغرافيا:
القوة الناعمة.
في العلاقات الدولية، لا تُبنى مكانة الدول والمجتمعات بالقوة المادية وحدها، بل أيضًا بالقدرة على التأثير من خلال الثقافة، والسمعة، والتعليم، والعلاقات، والنموذج الذي تقدمه للمحيط.
وهنا يبرز سؤال مهم:
ماذا لو نظرنا إلى الإنسان الحضرمي نفسه باعتباره إحدى أهم أوراق قوة حضرموت؟
الحضارم منتشرون في دول ومجتمعات عديدة.
بنوا أعمالًا، وأسسوا علاقات تجارية، ونجحوا في مجالات مختلفة، وتركوا حضورًا اجتماعيًا واقتصاديًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
لكن هل تحولت هذه القوة البشرية والاقتصادية إلى قوة ناعمة تخدم حضرموت؟
أم أن كل حضرمي يعمل منفردًا، بينما تبقى حضرموت نفسها خارج المعادلة؟
هذه ليست دعوة لاستخدام أبناء حضرموت كأداة سياسية.
بل دعوة إلى التفكير في كيفية بناء شبكة حضرمية عالمية، تقوم على المصالح والمعرفة والاستثمار والعلاقات، وتربط الداخل بالكفاءات ورؤوس الأموال والخبرات الموجودة خارجه.
فالحضرمي في الخارج ليس مجرد مغترب.
يمكن أن يكون مستثمرًا.
أو خبيرًا.
أو أكاديميًا.
أو رجل أعمال.
أو جسرًا للتبادل التجاري والثقافي.
أو مصدر معرفة وتجربة يمكن أن تستفيد منها مؤسسات حضرموت.
وهنا تبدأ فكرة القوة الناعمة.
أن يصبح اسم حضرموت مرتبطًا بالثقة، والتجارة، والتعليم، والاستقرار، والكفاءة، والانفتاح.
أن يعرف الآخرون حضرموت ليس فقط من خلال النفط أو الأزمات السياسية، وإنما من خلال الإنسان الحضرمي وتجربته وإسهامه.
وهذا يحتاج إلى مشروع طويل النفس.
فلا يمكن بناء قوة ناعمة بخطاب غاضب.
ولا يمكن بناء سمعة دولية بالتخوين.
ولا يمكن جذب الاستثمار في بيئة يسودها الغموض وعدم الاستقرار المؤسسي.
ولا يمكن أن نطالب العالم باحترام حضرموت ونحن لم نقدم للعالم صورة واضحة عما نريد أن تكون عليه.
القوة الناعمة تبدأ من الداخل قبل أن تصل إلى الخارج.
عندما تكون لدينا مؤسسات محترمة، يصبح احترامنا في الخارج أكبر.
عندما تصبح لدينا جامعات وتعليم نوعي، يصبح لدينا تأثير معرفي.
عندما تتطور التجارة والاستثمار، تتوسع شبكة المصالح.
عندما نحافظ على ثقافتنا ونقدمها بصورة حديثة، تتحول الثقافة إلى جسر لا إلى مجرد ماضٍ نتغنى به.
وعندما يشعر المستثمر أن حضرموت لديها رؤية وقانون ومؤسسات، تصبح الجغرافيا فرصة اقتصادية وليست مجرد مساحة على الخريطة.
وهنا أعتقد أن حضرموت بحاجة إلى إعادة اكتشاف نفسها.
لدينا ثقافة.
لدينا تاريخ.
لدينا مجتمع تجاري.
لدينا امتداد بشري واسع.
لدينا موقع جغرافي مهم.
ولدينا إمكانات اقتصادية كبيرة.
لكن السؤال ليس: هل نملك هذه العناصر؟
السؤال هو:
هل جمعناها في مشروع واحد؟
وهذا هو الفرق بين امتلاك عناصر القوة وامتلاك استراتيجية للقوة.
قد تكون لديك مئات الشخصيات الناجحة في الخارج، لكن إذا لم توجد شبكة تربطهم بحضرموت، تبقى نجاحاتهم فردية.
وقد تكون لديك ثروة كبيرة، لكن إذا لم توجد مؤسسات تديرها، تتحول الثروة إلى مصدر تنافس.
وقد تمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا، لكن إذا لم تكن لديك رؤية اقتصادية وأمنية ولوجستية، فقد يستفيد الآخرون من الموقع أكثر منك.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط:
ماذا نملك؟
بل:
كيف نوظف ما نملك؟
وهنا أرى أن القوة الناعمة الحقيقية لحضرموت يمكن أن تبدأ من ثلاثة مسارات:
الإنسان.
بناء جيل متعلم، مؤهل، قادر على الإدارة والاقتصاد والسياسة، لا ينتظر دائمًا من يقوده، بل يستطيع أن يقود مؤسساته ومجتمعه.
الاقتصاد.
ربط حضرموت بشبكات التجارة والاستثمار ورؤوس الأموال الحضرمية في الداخل والخارج، وتحويل العلاقة مع الخارج من تحويلات فردية إلى شراكات اقتصادية وتنموية.
الصورة.
أن تقدم حضرموت نفسها للعالم باعتبارها مجتمعًا له ثقافته وتاريخه ومصالحه، لكنه أيضًا قادر على الانفتاح والتعامل مع العالم بلغة المصالح والمشاريع والمؤسسات.
وهنا نصل إلى نقطة سياسية مهمة:
من يمتلك صورة إيجابية، وشبكة علاقات، واقتصادًا متماسكًا، وكفاءات بشرية، يمتلك أدوات تأثير تتجاوز حدود جغرافيته.
وهذا هو المعنى الذي يجب أن نفهمه عندما نتحدث عن مستقبل حضرموت.
لا أريد حضرموت التي تنتظر الآخرين ليكتشفوا أهميتها.
أريد حضرموت التي تعرف كيف تقدم نفسها.
ولا أريد حضرموت التي تستخدم أبناءها في الخارج فقط عند الحاجة.
أريد حضرموت التي تبني معهم علاقة مؤسسية مستمرة.
ولا أريد أن تبقى الكفاءات الحضرمية مجرد قصص نجاح فردية.
أريد أن تتحول هذه القصص إلى رأس مال بشري يخدم مستقبل المجتمع.
فالقوة ليست دائمًا في عدد الجنود أو حجم الموارد.
أحيانًا تكون القوة في أن يكون لديك مجتمع يحظى بالثقة، وشبكة مصالح واسعة، وكفاءات قادرة، واقتصاد يستطيع أن يتفاعل مع العالم، وصورة تجعل الآخرين يرون فيك شريكًا يستحق التعامل معه.
وهنا أعود إلى الفكرة التي بدأت بها المقال السابق:
النفوذ لا يُمنح... النفوذ يُبنى.
وفي المقال الثامن تحدثنا عن أوراق القوة المادية لحضرموت.
أما اليوم، فأقول إن هناك أوراقًا أخرى لا تقل أهمية:
الإنسان، والثقافة، والتعليم، والعلاقات، والسمعة، والاقتصاد.
وإذا استطعنا أن نجمع هذه الأوراق في رؤية واحدة، فلن تبقى حضرموت مجرد منطقة ذات موارد وموقع استراتيجي.
بل يمكن أن تتحول إلى مجتمع يمتلك وزنًا حقيقيًا في محيطه.
وهذا هو الفرق بين أن تكون لك أهمية...
وأن تكون لك قدرة على التأثير.
حضرموت أولًا...
ليست أن ننغلق على أنفسنا.
بل أن نعرف أنفسنا جيدًا، ونبني قوتنا من الداخل، ونفتح أبوابنا للعالم، وندخل إليه بثقة، ومصالح واضحة، وكفاءة، ومشروع يعرف ماذا يريد.