"شيء يتشكل.. حضرموت على موعد تاريخي"
رسم التفاعل الإعلامي الواسع الذي تصدّر منصات التواصل الاجتماعي والوسائل الصحفية المحلية، ملامح مرحلة سياسية جديدة تعيشها محافظة حضرموت، إثر الالتفاف غير المسبوق للصحفيين والمفكرين والناشطين بمختلف مكوناتهم واتجاهاتهم السياسية والحزبية حول شعار موحد حمل أبعاداً استراتيجية عميقة تحت عنوان: "شيء يتشكل.. حضرموت على موعد تاريخي".
هذا الزخم الشعبي والإعلامي يواكب الترتيبات النهائية التي تجريها اللجنة التحضيرية لـ "المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية"، برئاسة الدكتور سالم أحمد الخنبشي، حيث يأتي هذا الحراك ليعكس رغبة حقيقية في الخروج برؤية موحدة قبل انطلاق أعمال المؤتمر العام التأسيسي المزمع عقده في العاصمة الاقتصادية "المكلا"، وهو الحدث الذي تترقبه الأوساط المحلية والدولية لمعرفة مآلات ترتيب البيت الداخلي لأكبر محافظات البلاد مساحة وأغناها ثروة.
وتأسست الفكرة الجوهرية للمجلس التنسيقي الأعلى على تفادي الأخطاء السياسية السابقة التي أدت إلى تشتت القرار، حيث تحرك القائمون على هذا الكيان ليكون بمثابة الهيئة التنسيقية الجامعة التي لا تلغي الأحزاب أو المكونات الحالية، بل تعمل على تنظيم جهودها وتوجيهها في مسار تفاوضي واحد يستوعب تحت ظلاله كل التباينات الحضرمية، وهو ما يمنح حضرموت القدرة على صياغة مواقفها بوضوح والتحرك أمام الرعاة الدوليين والإقليميين ككتلة صلبة موحدة.
وتؤكد القراءة المتأنية في تركيبة اللجنة التحضيرية، التي نجدها تضم مزيجاً من كبار رجال الدولة والأكاديميين والرموز القبلية والاجتماعية بمختلف توجهاتهم، مما يعكس نضجاً سياسياً حضرمياً يعتمد صيغة "الشراكة لا الإقصاء" لحماية الحقوق الاقتصادية والأمنية والإدارية لأبناء المحافظة، وفرض واقع جديد يضمن استلامهم لزمام الأمور في مناطقهم وإدارة عوائد ثرواتهم النفطية والمعدنية بشكل عادل وحاسم.
ميدانياً، ضاعفت اللجنة التنسيقية من وتيرة لقاءاتها لتثبيت الموعد النهائي للانعقاد والمحدد في 31 أغسطس الجاري، حيث شملت التحضيرات جولات ميدانية ونزولات تشاورية شملت الـ 28 مديرية الممتدة بين الساحل والوادي والصحراء والهضبة، لضمان استيعاب مطالب الشارع وحاجات المواطن المعيشية والأمنية ضمن أدبيات المجلس، ولم ينحصر هذا الجهد في الغرف السياسية المغلقة، بل شهدت الأسابيع الماضية حوارات مباشرة وموسعة مع قطاع المرأة، الحركات الشبابية، ورجال المال والأعمال في الداخل والمهجر الذين أعلنوا تقديم دعمهم المطلق والتفافهم الاستثماري والسياسي حول هذا الكيان، وأفرزت -هذه اللقاءات- توافقاً استثمارياً كبيراً يدعم الاستقرار الاقتصادي للمحافظة، ويوفر بيئة آمنة للمشاريع التنموية الكبرى التي يتطلع إليها المجتمع الحضرمي لتعويض عقود من التهميش.
ويسير هذا الحراك التوافقي الحضرمي بالتوازي مع رعاية وإشراف مباشر من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، مما يضفي على المجلس التنسيقي أبعاداً إقليمية متينة تضمن ديمومت أدواره وضبط معادلة الأمن في المنطقة، وفي الوقت ذاته، يتمسك أعضاء اللجنة التحضيرية باستقلالية قرارهم الوطني، مشددين على أن تحركاتهم تنطلق من صفاتهم الشخصية كفاءات حضرمية مخلصة، هدفها الأول صون القرار السيادي لحضرموت وتحديد موقعها الملائم في أي تسوية شاملة بغض النظر عن شكل ومآلات الدولة القادمة.
والتفاف النخب الإعلامية والشعبية حول عبارة "شيء يتشكل" يعكس في جوهره وعياً مجتمعياً متقدماً يعي تماماً بأن حضرموت اليوم باتت تملك "العقل السياسي المنظم" القادر على تحويل هذه الثروات إلى نهضة مستدامة، حيث وضعت اللجنة التنسيقية قطار المحافظة على مساره الصحيح، والمؤتمر العام المرتقب نهاية هذا الشهر لن يكون إلا تدشين فعلي لمنظومة تاريخية ستغير معادلة التوازن السياسي في البلاد، وتثبت للعالم أن حضرموت كانت -وستظل- ركيزة الأمن والاستقرار وبناء الدولة الحديثة.