تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

هكذا روّضت الإرادة الحضرمية عواصف التشظي لتصنع ميثاق النّدية التاريخي وعقيدة التوافق الذي لا ينكسر

انتهت لعبة الوقت، وباتت ثلاثة أيام وثيقة تفصل العاصمة الاقتصادية لحضرموت (المكلا) عن لحظة التحول الجيوسياسي الأبرز في تاريخها الحديث، حيث تتجه أنظار ومجسات القرار المحلي والدولي صوب الحادي والثلاثين من أغسطس الجاري، الموعد التاريخي لتدشين المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، والذي ينطلق من رحم توافق حضرمي-حضرمي منقطع النظير، صهر في بوتقته كل النخب، الأكاديميين، التشكيلات السياسية، والرموز القبلية في الداخل والمهجر.

وجاء هذا الزخم التفاوضي المتسارع ليضع القوى الإقليمية والمحلية أمام واقع استراتيجي جديد لا مفر منه، في وقت أسدلت فيه اللجنة التحضيرية للمؤتمر—برئاسة الدكتور سالم أحمد الخنبشي—الستار على آخر مسودات البناء التنظيمي، بهدف الإعلان عن المظلة التنسيقية الحاوية التي لا تستهدف إقصاء أو تهميش أي طرف، بل تجمع وتستوعب كل المكونات والتيارات لإنهاء عهد التشظي والشتات، وتوحيد مراكز الموقف السياسي من الساحل والهضبة حتى الوادي والصحراء، وتجفيف منابع الاستقطاب الخارجي لشق الصف الداخلي.

 

واستندت القوة السياسية لهذا الاحتشاد المفصلي إلى أدلة وحقائق ميدانية فرضتها موازين القوى عقب أحداث ديسمبر الماضي وانتصار الثالث من يناير 2026م، لتعلن حضرموت من خلاله الإلغاء الشامل لملف الوكالة المفتوحة التي كانت تتيح لمقاولي الباطن العبور بالقرار الحضرمي وتوظيفه خارج حدود الجغرافيا، مستبدلة ذلك بمعادلة الندية المطلقة، والشراكة السيادية الكاملة، والتمثيل المستقل المباشر في أي تسويات مقبلة تخص هندسة الحكم وتقاسم الثروة وإعادة بناء هيكل الدولة بما يواكب المحافظة التي تشغل أكثر من ثلث مساحة البلاد وتهيمن على شريط ساحلي بطول 620 كيلومتراً على بحر العرب.

 

وتزامنت هذه الأيام الثلاثة الفاصلة مع تسارع وتيرة الترتيبات المحلية والدولية لإعادة تشغيل المنشآت النفطية واستئناف تصدير الخام من الموانئ، الأمر الذي يمنح مؤتمر المكلا ثقلاً استراتيجياً يبعث برسالة حازمة ومشفرة لكافة الوسطاء والمجتمع الدولي، مفادها أن زمن تسيير الصفقات وتمرير الأنابيب على حساب تهميش استحقاقات حضرموت قد دُفن، وأن أي وثيقة تسوية لا تعتمد البصمة الحضرمية الصريحة والنابعة من عمق الميدان لن تمر ولن يكتب لها الاستدامة.

وخلصت الأوساط السياسية والمراكز الاستراتيجية المراقبة للمشهد إلى أن ما بعد الحادي والثلاثين من أغسطس سيمثل بداية كتابة "التاريخ الجديد" للمنطقة برمتها، إذ سيواجه الداخل والخارج حائطاً حضرمياً صلباً ومصمتاً محمياً بالتفاف شعبي عارم يحظر المساس بقرار الأرض، ويفكك كل الرهانات والمشاريع العابرة التي حاولت طويلاً العبث بورقة الانقسام التقليدي بين الساحل والوادي، لتنتزع المكلا بوعي سياسي فائق ونباهة مدروسة مقود السيادة التامة على أمنها، مواردها، ومصير أجيالها القادمة.