المهرة.. علاقات أخوية مع عُمان والسعودية تُترجم إلى مشاريع تنموية وخدمية
لا تُقاس علاقات المهرة مع محيطها العربي بالجغرافيا والتاريخ وحدهما، بل بما تنتجه هذه العلاقات من تعاون ينعكس على حياة الناس. وخلال السنوات الماضية، أخذت صلات المحافظة مع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية مسارًا أكثر عملية، تحولت فيه علاقات الجوار والأخوة إلى مشاريع في الكهرباء والصحة والتعليم والمياه والنقل، إلى جانب تدخلات إنسانية وخدمية متعددة.
وفي هذا المسار، يأتي مشروع الربط الكهربائي بين المهرة ومحافظة ظفار العُمانية بوصفه أحد أبرز نماذج التعاون العملي بين البلدين. فقد وقعت اليمن وسلطنة عُمان في صلالة اتفاقية تنفيذ المشروع، بما يتيح إيصال الكهرباء إلى المهرة على مراحل، تبدأ بربط مناطق شحن وحوف بقدرات أولية، وصولًا إلى الغيضة بقدرة تصل إلى 50 ميجاوات، مع استكمال الربط الخاص بها وفق البرنامج التنفيذي للمشروع.
ولا يقف التعاون الكهربائي عند إنشاء خطوط الربط، بل يقوم على آلية تشغيلية مباشرة بين المؤسسة العامة للكهرباء في المهرة وشركة «نماء لخدمات الطاقة»، وهي الشركة المشغلة لمنظومة الكهرباء في سلطنة عُمان. وتتضمن الآلية تنظيم عملية التزويد والقياس والفوترة من الجانب العُماني، فيما يستمر المواطن في المهرة في دفع التعرفة المحلية المعتمدة، مع معالجة الفارق بين تكلفة التزويد والإيرادات وفق الترتيبات المتفق عليها بين الجهات المعنية، بما يجعل المشروع نموذجًا لتعاون منظم يتجاوز فكرة الدعم المؤقت إلى شراكة تشغيلية.
وإلى جانب الكهرباء، تمتد الحضور العُماني في المهرة إلى تدخلات إنسانية وخدمية وصحية وتعليمية متعددة، فضلًا عن مبادرات تستهدف دعم القطاع التعليمي، من بينها تقديم حوافز تعليمية فصلية للمعلمين. وبذلك لا يقتصر الدور العُماني على ملف واحد، وإنما يتوزع على احتياجات مختلفة للمحافظة، فيما يبقى مشروع الربط الكهربائي أحد أكبر وأبرز هذه التدخلات من حيث أثره المتوقع على استقرار خدمة الكهرباء.
وفي الجانب الآخر، تتخذ الشراكة مع المملكة العربية السعودية طابعًا تنمويًا واسعًا، يبرز من خلال عدد من المشاريع الكبرى التي تستهدف قطاعات حيوية. وفي مقدمتها مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية بالمهرة، التي تمتد على مساحة تقارب مليون متر مربع، وتضم مستشفى متكاملًا بسعة 110 أسرّة وعيادات خارجية وغرف عمليات، إلى جانب مكونات تعليمية وصحية، بما يؤهلها لتكون إضافة نوعية للبنية الصحية والتعليمية في المحافظة.
ومع اقتراب المشروع من مرحلة التشغيل، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تضيفه المدينة للقطاع الصحي في المهرة، ليس فقط من خلال الخدمات الطبية المباشرة، وإنما أيضًا عبر مكونها التعليمي المتمثل في كلية العلوم التطبيقية والصحية. كما يأتي ذلك ضمن مسار أوسع شهد تأهيل مستشفى الغيضة ودعم أقسام العمليات والعناية المركزة، وإنشاء وتجهيز مركز للغسيل الكلوي، بما يعزز قدرة القطاع الصحي المحلي على التعامل مع الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وامتدت المشاريع السعودية كذلك إلى قطاع التعليم، من خلال إنشاء وتجهيز مدارس، وتوفير الكتب المدرسية والمقاعد والحافلات، إلى جانب تدخلات في المياه والطاقة والنقل. وشملت هذه المشاريع تأهيل مطار الغيضة، ودعم ميناء نشطون بالمعدات، وتنفيذ أعمال مرتبطة بتوفير المياه ومصادرها، وهي قطاعات تمس الخدمات الأساسية وحركة السكان والنشاط الاقتصادي في المحافظة بصورة مباشرة.
ولا تنفصل هذه المشاريع عن تدخلات إنسانية وتنموية أخرى تستهدف الفئات الأكثر احتياجًا وتحسين سبل العيش، من بينها دعم الصيادين وتوفير قوارب ومستلزمات السلامة، ومشاريع الأمن الغذائي والمساعدات الإنسانية. كما تتواصل برامج تستهدف التعليم والتمكين الرقمي ودعم الفئات والمجتمعات المحلية، بما يعكس تعدد مسارات التعاون السعودي مع المهرة، وتنوعها بين البنية التحتية والخدمات والتنمية والاستجابة الإنسانية.
وفي هذا المسار، يبرز دور السلطة المحلية في المهرة، بقيادة المحافظ محمد علي ياسر، في الحفاظ على قنوات التواصل والتنسيق مع البلدين، ومتابعة الملفات المشتركة والدفع باتجاه تحويل العلاقات الأخوية إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ. ويأخذ هذا الدور أهمية خاصة في محافظة ترتبط بحدود مباشرة مع سلطنة عُمان، وبعلاقات واسعة مع المملكة العربية السعودية، ما يجعل حسن إدارة هذه العلاقات وتوجيهها نحو الأولويات المحلية جزءًا من العمل التنموي نفسه.
وبعيدًا عن أي مقاربة تقوم على المفاضلة بين الأشقاء، تبدو الصورة في المهرة أقرب إلى تكامل الأدوار؛ فلكل من سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية مجالات ومشاريع تدخل من خلالها وفق احتياجات المحافظة وإمكاناتها، والنتيجة الأهم هي أن علاقات الجوار والأخوة تتحول بصورة متزايدة إلى خدمات ومشاريع تمس حياة الناس. وفي تفاصيل المشهد، تتسع قائمة المشاريع التنموية والإنسانية والخدمية المقدمة للمهرة بما يتجاوز ما يمكن حصره في تقرير واحد، لتبقى قيمتها الحقيقية في أثرها على الإنسان واستقرار الخدمات ومستقبل المحافظة.