تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

أحمد زين باحميد.. عامٌ على الرحيل وحضورٌ لا يغيب

تمرّ الذكرى السنوية الأولى لرحيل أحمد زين بن سالم باحميد، فيما لا يزال حضوره ممتدًا في الذاكرة والوجدان، بما تركه من مواقف إنسانية وقيم نبيلة وسيرة عطرة، جعلت منه أبًا ومربيًا وصديقًا لكل من عرفه.

في يوم الجمعة 19 سبتمبر 2014م، وقبل يومين من سقوط صنعاء بيد الحوثيين، رنّ هاتفي بعد تناولي الغداء في منزل أحد الأصدقاء بمنطقة مذبح، ولعلّه العزيز عباس الصبري. كان المتصل عمي أحمد، رحمه الله، يهاتفني من المكلا، طالبًا مني مغادرة صنعاء في أقرب وقت، فقد أدرك من قراءته للأحداث والمشهد أن المدينة ستسقط خلال أيام.

ومنذ ذلك الاتصال وحتى مساء 21 سبتمبر، هاتفني ما يقارب مئة مرة، مع كل خبر واشتباك وطلقة رصاص تقريبًا. كان قلبه مثقلًا بالقلق على الوطن، وبالخوف على ابن أخيه الصغير أيمن، حديث العهد بالتخرج من كلية الإعلام بجامعة صنعاء، الذي كان يعيش نشوة التواجد في قلب العاصمة وقلب الحدث، ويحلم، بصفته صحفيًا وإعلاميًا، بتغطية الأحداث والوصول إلى جبهات القتال، على غرار تيسير علوني مثلًا.

كان عمي أحمد أبي بعد أبي، وأستاذي قبل أساتذتي، وصديقي الأمين الذي لم أتردد في مناقشته في شؤوني الشخصية، صغيرها وكبيرها. ولذلك، فإن مرور عام على رحيله ليس مجرد ذكرى لغياب رجل عزيز، بل استعادة لألف دمعة وموقف وقصة، ما زالت تفاصيلها حاضرة في قلبي وذاكرتي.

رجلٌ تتعدد صفاته وتلتقي عنده المحبة

لم يكن أحمد زين مجرد صديق في نظر أصدقائه، بل كان قريبًا ودودًا وناصحًا. ولم يكن مجرد أستاذ في نظر تلاميذه، بل أبًا ومربيًا وقدوة. أما جيرانه، فقد عرفوه أخًا صادقًا وقلبًا رحيمًا، يسأل عن كبيرهم ويحنو على صغيرهم. وكل من عرفه يترحم على رجل مخموم القلب، صدوق اللسان، ليّن الجانب، خفيف المعشر.

وخلال دراستي الجامعية في جامعة صنعاء، زارني عمي أكثر من مرة، وكان يبيت معنا قبل سفره، ويحرص على أداء صلاة الفجر في المسجد رغم برودة الجو، ويحثني على ذلك. وحين أذهب لإتمام الوضوء، كان يأخذ معطفي ويضع في جيبه الداخلي حفنة من الأوراق النقدية، لأكتشف ذلك عادة بعد مغادرته، فأذهب لاقتناء المزيد من الكتب والصحف، كما كان يوصيني دائمًا.

وحين انتقلت إلى المكلا، كانت شقته في منطقة فوّة بيتي الأول ومسكني، ولم أكن وحدي من وجد فيها ملاذًا؛ إذ لم يكن يمر أسبوع تقريبًا دون أن يستقبل ضيوفًا من سيئون أو شبوة، سواء كانوا عابري سبيل، أو مرافقين لمرضى، أو مجموعات من الشباب القادمين للتسجيل في جامعة أو معهد، أو لحضور دورة تدريبية.

كان يستقبل الجميع ببشاشة ولين، ويجود عليهم بما في قلبه وجيبه، رغم محدودية دخله؛ فقد كان موظف دولة عاديًا يعيل أسرته براتب زهيد، لكن سعة الله وبركته كانتا حاضرتين في حياته وعطائه.

رحلة العلم والعمل.. وسيرة عصامية

تمتد ذكرياتي مع عمي أحمد إلى يوميات أسرتنا في مدودة والمكلا، وساحات كلية الآداب وقسم الإعلام، وإلى شبوة التي زرتها لأول مرة برفقته، كما تمتد إلى القاهرة خلال رحلته العلاجية. وفي كل تلك المحطات، ظلّت البساطة وحسن الخلق والرضا بأقدار الله سمات ملازمة لشخصيته.

وعند استعراض سيرته، نجد قصة شاب عصامي طموح، شغوف بالعلم، قضى سنوات طويلة من حياته بعيدًا عن أسرته، سعيًا للتحصيل العلمي وطلب الرزق الحلال. فقد التحق بالمعهد الصحي العالي في عدن مطلع الثمانينيات، وتخرج بدبلوم عالٍ فنيًا للأشعة، ثم انتقل إلى عتق، حيث عمل في مستشفاها نحو عقدين ونصف.

عرفه أهل عتق كما يُعرف دينار الذهب؛ تحفظ اسمه عجائزها وشيوخها، ويرددون: «أحمد زين جاء، أحمد زين قال». وكان حازمًا ومرشدًا للشباب، لا ينفك يسأل أحدهم: ماذا تعلمت؟ وماذا قرأت؟ وماذا أنجزت؟ كان يرى أن العالم يتسابق مع المعرفة، ويحث من حوله على ألا يتخلفوا عن هذا السباق.

إعلامي بالفطرة وقريب من القلوب

كان عمي أحمد إعلاميًا بالفطرة، يتابع الأحداث ومستجدات العالم، ويهتم بكل ما يستجد في الساحة الإعلامية. لذلك، لم يكن غريبًا أن يتصل بي في أي وقت، حتى في ساعات الصباح الباكر قبل تناول الإفطار، ليقول دون مقدمات: «أيمن، افتح قناة الجزيرة حالًا، هناك تقرير رائع لفوزي بشرى!».

وكان أبًا للجميع وقريبًا من الجميع، حتى يظن كل من عرفه أنه صاحب المكانة الأقرب إلى قلبه. فقد امتلك ذكاءً اجتماعيًا نادرًا، مكّنه من بناء علاقات عميقة مع الناس، والاقتراب من تفاصيل حياتهم وأحوال أسرهم بمحبة واهتمام صادقين.

وأتذكر يومًا كنت برفقته في حي السلام بالمكلا، فالتقينا رجلًا تجاوز الأربعين، كان عمي يعرفه منذ زمن. سأله عن حاله، وعن أمه وجدته، ثم عن ابنه الذي تخرج حديثًا، وابنته التي تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى مدينة مجاورة، وعن طفليها نسمة وصالح.

كان الرجل يجيب والسعادة تملأ عينيه، ويتحدث بفرح وتفصيل، في مشهد يجسد عمق الود الذي جمعهما. يومها سألت نفسي: كيف استطاع عمي الاقتراب من حياة هذا الرجل وكأنه أحد أقاربه؟ وكيف فتح الرجل قلبه وروى أخبار أسرته بهذه المحبة؟

لقد كانت تلك مدرسة استثنائية في بناء العلاقات الإنسانية، سبق فيها أبي، وزاد فيها عمي أحمد، رحمهما الله.

أثرٌ ممتد وحضورٌ لا يغيب

اليوم، وبعد انقضاء عام كامل على رحيله، لا يزال عمي أحمد حاضرًا فينا بقيمه وسلوكه، وفي تفاصيل الحياة التي ترك فيها أثرًا لا يمحوه الغياب.

أراه حاضرًا في بشاشة ابنه علي وسمته، وقلبه وقالبه، وفي شخصية شيخ وقربه من الصغير والكبير، وفي طموح زين وصدقه وأمانته.

تغمّد الله عمي أحمد وأبي بواسع رحمته، وجعل قبريهما روضة من رياض الجنة، وجعلنا خير خلف لخير سلف، وجمعنا بهما في دار الكرامة على سرر متقابلين. آمين.

لقد مضى عام على رحيله، لكنه لم يغب عنا يومًا؛ فما زال حاضرًا في مواقفه، وفي القيم التي غرسها، وفي المحبة التي تركها في قلوب كل من عرفه