حضرموت.. من موضوع في التسويات إلى طرف في صناعة القرار
في السياسة، هناك فرق كبير بين أن تكون جزءًا من المشهد، وأن تكون طرفًا قادرًا على التأثير في اتجاه المشهد.
وقد تكون حاضرًا في الاجتماعات، وتظهر في البيانات، وتُذكر في المبادرات، وتُطرح باسمك المواقف...
لكن كل ذلك لا يعني بالضرورة أنك أصبحت طرفًا في صناعة القرار.
وهنا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يشغل حضرموت اليوم ليس:
من يمثل حضرموت؟
بل سؤالًا أكبر وأكثر أهمية:
هل حضرموت نفسها أصبحت طرفًا في صناعة التسوية السياسية، أم أنها ما زالت موضوعًا تتفاوض الأطراف الأخرى حوله؟
هذا الفرق ليس لغويًا.
إنه الفرق بين من يملك القرار، ومن يُتخذ القرار بشأنه.
في العلاقات الدولية، لا تدخل الأطراف القوية إلى طاولة التفاوض اعتمادًا على الخطاب وحده.
تدخل وهي تعرف مصالحها، وتحدد أولوياتها، وتعرف أوراق قوتها، وتحدد ما يمكن التفاوض عليه وما لا يمكن التنازل عنه.
والأهم من ذلك أنها تمتلك قدرة على تنفيذ ما تتعهد به، والدفاع عما تطالب به.
وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا.
حضرموت تمتلك كثيرًا من عناصر القوة.
الموقع.
الساحل.
الثروة.
الموارد.
الموانئ.
الامتداد البشري.
رأس المال.
والخبرات.
لكن هل تحولت هذه العناصر حتى الآن إلى قوة سياسية تفاوضية متماسكة؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
لأن امتلاك النفط لا يعني تلقائيًا امتلاك القرار.
وامتلاك الساحل لا يعني تلقائيًا امتلاك النفوذ.
وامتلاك الجغرافيا لا يعني تلقائيًا امتلاك القدرة على فرض المصالح.
القوة السياسية تبدأ عندما تتحول الإمكانات إلى موقف، والموقف إلى ورقة تفاوض، وورقة التفاوض إلى نتيجة.
وهنا أعتقد أن حضرموت بحاجة إلى تغيير طريقة تفكيرها في السياسة.
بدل أن تسأل فقط:
ماذا سيمنحنا الآخرون؟
يجب أن تسأل:
ماذا نملك نحن؟
وبدل أن تنتظر ما ستنتجه التسويات، يجب أن تسأل:
ما موقعنا الذي نريد أن نكون عليه عندما تبدأ التسويات؟
وبدل أن تدخل في منافسة داخلية حول من يحمل اسم حضرموت، يجب أن يكون السؤال:
كيف نجعل أي طرف يتفاوض مع حضرموت لأنه يحتاج إلى حضرموت، وليس لأنه يريد استخدام حضرموت؟
وهنا تكمن المسألة.
ليس المطلوب أن تدخل حضرموت في صراع مع أحد.
ولا أن تفرض نفسها على الآخرين.
ولا أن تبحث عن خصومة مع أي مشروع سياسي.
بل أن تدرك أن المصلحة لا تحميها النوايا الحسنة، وإنما تحميها القدرة على التفاوض.
والتفاوض لا يبدأ عندما نجلس إلى الطاولة.
التفاوض يبدأ قبل ذلك بكثير.
يبدأ عندما نحدد مصالحنا.
وعندما نعرف أولوياتنا.
وعندما نبني مؤسساتنا.
وعندما نمتلك بياناتنا وأرقامنا ودراساتنا.
وعندما نعرف قيمة مواردنا.
وعندما نحدد ما الذي يمكن أن نقدمه وما الذي نطلبه.
وعندما يكون لدينا فريق يمتلك المعرفة السياسية والاقتصادية والقانونية والإدارية التي تمكنه من التفاوض من موقع مهني، لا من موقع رد الفعل.
هذه هي السياسة التي تحتاجها حضرموت.
سياسة لا تقوم على رفع الصوت، وإنما على رفع القدرة.
ولا تقوم على كثرة البيانات، وإنما على وضوح المصالح.
ولا تقوم على عدد الشخصيات في الصورة، وإنما على جودة من يجلس خلف الطاولة.
وهنا أعتقد أن النخب الحضرمية أمام اختبار حقيقي.
هل نستطيع أن ننتقل من سؤال:
من يمثل حضرموت؟
إلى سؤال:
ما المشروع الذي ستقدمه حضرموت عندما يُطلب منها أن تحدد موقعها؟
لأن المستقبل لن ينتظر حتى ننتهي من خلافاتنا حول الأسماء.
والتسويات السياسية لا تنتظر حتى تتفق كل النخب على كل شيء.
ومن يدخل إلى التفاوض دون رؤية واضحة، سيجد نفسه يتفاوض على ما يطرحه الآخرون.
أما من يدخل وهو يعرف مصالحه، ويمتلك أوراقه، ويعرف حدود التنازل، ويملك القدرة على تنفيذ التزاماته، فسيكون شريكًا في صناعة النتيجة.
وهنا لا بد أن نطرح سؤالًا أكثر جرأة:
هل نحن نبني حضرموت لتكون شريكًا سياسيًا، أم نبني مكونات حضرمية تتنافس فيما بينها على من سيكون الشريك؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين المشروع والموقع.
قد يحصل هذا المكوّن أو ذاك على مقعد.
وقد يحصل شخص على منصب.
وقد يحضر آخر مؤتمرًا أو اجتماعًا مهمًا.
لكن ماذا يعني ذلك لحضرموت إذا بقيت مصالحها الكبرى بلا استراتيجية واضحة؟
المطلوب ليس أن يفوز شخص باسم حضرموت.
المطلوب أن تفوز حضرموت من خلال من يمثلها.
وهذه نقطة أعتقد أنها تستحق أن تتوقف عندها النخب السياسية تحديدًا.
لأن حضرموت لا تحتاج فقط إلى سياسيين يتحدثون عنها.
هي بحاجة إلى مدرسة سياسية حضرمية تعرف كيف تقرأ موازين القوى، وتفهم الاقتصاد، وتدرك أهمية الجغرافيا، وتعرف القانون، وتفهم لغة التفاوض، وتستطيع تحويل المصالح الحضرمية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
نحتاج إلى جيل لا يسأل فقط:
ماذا قال الآخرون عن حضرموت؟
بل يسأل:
ما الذي تستطيع حضرموت أن تفرضه على جدول أعمالهم من خلال وزنها ومصالحها وأوراق قوتها؟
وهذا لا يعني القوة بمعناها الصدامي.
بل القوة بمعناها السياسي:
أن تصبح مصالحك جزءًا من حسابات الآخرين.
عندما يصبح تجاهل حضرموت مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا، تكون قد بدأت بالفعل في امتلاك النفوذ.
أما إذا ظل الجميع قادرين على الحديث عن مستقبل حضرموت دون أن تكون حضرموت نفسها صاحبة موقف واضح، فالمشكلة ليست في الآخرين وحدهم.
المشكلة فينا أيضًا.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع هذا المكوّن أو ذاك.
وليست مع الوحدة أو الانفصال.
وليست مع هذه الشخصية أو تلك.
المعركة الحقيقية هي:
هل نستطيع أن نبني حضرموت القادرة على حماية مصالحها، مهما كان شكل التسوية السياسية القادمة؟
إذا استطعنا ذلك، فإن أي تسوية ستجد نفسها مضطرة إلى أخذ حضرموت في الحسبان.
أما إذا فشلنا، فقد نجد أنفسنا مرة أخرى نناقش نتائج قرارات صُنعت في أماكن أخرى.
ولهذا أقول:
حضرموت لا ينبغي أن تنتظر شكل المستقبل حتى تحدد موقعها فيه.
بل عليها أن تبني قدرتها اليوم، حتى يكون لها موقع عندما يُصنع المستقبل.
هذه ليست دعوة للتصادم.
إنها دعوة إلى الاستعداد السياسي.
وليست دعوة لاحتكار القرار.
بل لبناء قرار مؤسسي يستوعب تعدد الحضارم ويحمي مصالحهم.
وليست دعوة للانعزال.
بل لأن تدخل حضرموت أي شراكة سياسية أو اقتصادية أو إقليمية من موقع يعرف ماذا يريد وماذا يستطيع أن يقدم.
في النهاية، السؤال الذي سيحدد مستقبل حضرموت ليس:
من سيتحدث باسمها؟
بل:
هل ستكون حضرموت حاضرة عندما تُرسم الخريطة السياسية الجديدة، أم سيُرسم موقعها دون أن تكون في الغرفة التي يُصنع فيها القرار؟
وهنا أعتقد أن الوقت مناسب لطرح السؤال على أنفسنا قبل أن يطرحه الآخرون علينا:
هل نحن مستعدون؟
حضرموت أولًا...
ليست أن ننتظر من الآخرين الاعتراف بثقلنا.
بل أن نبني من القدرة ما يجعل تجاهل هذا الثقل أمرًا صعبًا.