تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

جمال الحكمة والرمزية في شعر العدة لشاعر الحارة (العسيري) عمر بلقدي

قال شاعر الحارة عمر بلقدي :

إن بغيت الصدق يا صاحب سمع  

عندك الزايد معي ما بيفيد

بترك الخرفة إذا مال صنع  

وانت شل قسمك وكل اللي بايزيد

لا تلومونه يناوط ع السحاب  

في حسابه زل عقله وارتبش

تُجسد هذه الأبيات واحدة من الصور المشرقة لشعر العدة الحضرمية، ذلك الشعر الذي يجمع بين الحكمة الشعبية وعمق الدلالة وجمال التعبير. فعلى الرغم من أن الشاعر يوجّه خطابه في ظاهر النص إلى شخص بعينه، إلا أن رسالته تتجاوز حدود المخاطب لتصل إلى كل من يسمعها، وهي من أبرز سمات الشعر الشعبي الأصيل؛ حيث يُخاطَب الفرد بينما يُراد بالقول المجتمع بأسره.

وفي هذه الأبيات تتجلى قيم القناعة والتمسك بالحق ورفض الطمع، إذ يعلن الشاعر موقفه بوضوح وثقة، مؤكدًا أن الزيادة التي تتجاوز حدود الحق لا تمثل له قيمة أو منفعة. كما تتجسد قوة الحكمة الشعبية في دعوته إلى الرضا بالنصيب واحترام الحقوق بعيدًا عن الجشع والمغالاة.

وتبرز براعة الشاعر الفنية في قوله: «لا تلومونه يناوط ع السحاب»، حيث يرسم صورة شعرية بليغة ترمز إلى الإنسان الذي يطارد الأوهام أو يبالغ في تقدير قدراته وطموحاته حتى يفقد دقة الحساب وصواب التقدير، وهو ما يؤكده البيت اللاحق: «في حسابه زل عقله وارتبش».

لقد استطاع شاعر الحارة عمر بلقدي (العسيري) أن يوظف المفردة الشعبية البسيطة ليصوغ منها معاني إنسانية عميقة وحكمًا باقية تتجاوز زمانها ومكانها، فجاءت أبياته قوية في مبناها، غنية في دلالاتها، وقريبة من وجدان الناس وفهمهم العام.

وهكذا يبقى شعر العدة الحضرمية مدرسةً للحكمة، وسجلًا حيًا للتجارب الإنسانية، ورسالةً اجتماعية تُقال لشخص، لكنها تُسمع للمجتمع بأسرة.