الصحفي وصانع السياسة الإعلامية…فرق الجوهر لا فرق الدرجة
حين يُسأل الناس عن الفرق بين الصحفي وذاك المسؤول الذي يدير دفة الإعلام في حكومة أو محافظة أو مؤسسة كبرى، تسمع إجابات تدور حول الترقية الوظيفية،الصحفي ترقى فأصبح مديراً، أو المسؤول الإعلامي هو صحفي قديم جلس على كرسي أكبر لكن الحقيقة، التي تخبرك بها سنوات العمل في هذا الحقل، أننا لسنا أمام فارق درجة في السلم الوظيفي، بل أمام فارق جوهر في طريقة التفكير والنظر إلى زوايا الحدث غير المرئية للعوام.
الفرق بين الاثنين أقرب إلى الفرق بين رسّام خرائط وربّان سفينة،كلاهما يفهم البحر، وكلاهما يعرف طريق الابحار الى المحطات، لكن الأول مهمته أن يرسم لك ما تراه العين بدقة وأمانة، بينما الثاني مهمته أن يقرر أي ميناء تذهب إليه، ومتى تبحر، وكيف تتفادى العواصف قبل أن تلوح في الأفق.
وهذا الفرق، في عمقه، هو ذاته في إسقاطه على الفرق الجوهري بين الصحفي وصانع السياسة الإعلامية، أشبه بالفرق بين مخطوطات الحضارمة القديمة في علم الإبحار "الرازمانات" و"الرحماني" فالرازمانات سجل يوثق محطات سفر السفينة وإلى أين أبحرت، وهو بذلك أشبه بعمل الصحفي الذي يسجل الأحداث ويؤرخ لمسارها.
أما الرحماني فشيء آخر تماماً،الرحماني مرشد فلكي للسفينة، يحتوي خطوط الطول والعرض وقياس ميل الشمس، وهو دليل طريق في ظلمات البحر لكافة السفن، قبل أن تجتاحه التكنولوجيا وحداثتها في الإبحار.
وهكذا بالضبط هو عقل صانع السياسة الإعلامية ليس عمله تسجيل الأحداث بل توجيه المسار، ولا يكتفي برصد الاتجاه بل يحدده،وهذه المخطوطات القديمة، لمن أراد أن يرى بأم عينه كيف كان الأجداد يفرقون بين من يسجل الرحلة ومن يرشدها، سيجدها المهتم في متحف الحامي شرق المكلا، شاهدا على أن الفرق بين النقل والقيادة فرق عرفته عقول البحارة قبل أن تعرفه غرف الأخبار.
الصحفي، في صميم مهنته، رجل اللحظة هو الذي يقتنص الحدث، يفككه، يتحقق منه، ثم يعيد تركيبه في قالب خبري أو تحليلي ليقدمه للجمهور، بوصلته تتجه نحو "الخبر" كقيمة عليا وحتى حين يكتب مقال رأي، فهو لا يزال أسيراً لإيقاع الأحداث يكتب لأن شيئاً حدث، أو ليتوقع شيئاً سيحدث وهذه طبيعة المهنة، وهذا شرفها، لكن هذا هو أيضاً حدها.
الصحفي يتعامل مع ما وقع أو ما هو على وشك الوقوع، بينما هناك عقل آخر يتعامل مع ما يجب أن يقع، ومتى يقع، وكيف يُروى.
هذا العقل الآخر هو عقل صانع السياسة الإعلامية وهو ليس الصحفي الذي نال ترقية، بل هو استراتيجي يعمل في صمت، بعيداً عن ضجيج غرف الأخبار،هو من يجلس في الغرفة المغلقة ليسأل ما الصورة التي نريد ترسيخها بعد عام من الآن؟ كيف نبني خطاباً يربطنا بحلفائنا قبل أن يطلبوا منا ذلك؟ كيف نصنع قصة عن أنفسنا تسبقنا إلى العواصم قبل أن تصل إليها وفودنا؟ هذه أسئلة لا تخطر ببال الصحفي المنهمك في سباق الخبر، وليس مطلوباً منه أن تخطر بباله، لكنها جوهر عمل ذاك الصانع الذي لا ينام على حدث، بل على مسار.
هل يصلح الصحفي ان يكون صانع سياسية؟
يصلح، لكن ليس لأن الصحافة تؤهله ،يصلح إن امتلك ما لا تمنحه المهنة.
العبور من غرفة الأخبار إلى غرفة القرار رحلة مرهقة ذهنيا،أعرف وجوهاً صحفية جلست على كراسي القرار الإعلامي ففشلت، لا لعجزها عن فهم الإعلام، بل لأنها لم تخلع جلباب الصحفي،بقي ذهنها أسير الخبر، أسير السبق، أسير "ماذا اكتب في عنوان هذا الاجتماع"، فيما كان المطلوب منها أن تفكر في " سياسية العنوان نفسه واثاره لرئيسي او مديري ".
الفرق يتلخص في صورة بسيطة حارس البوابة ..الصحفي حارس بوابة الخبر، يقرر ما يدخل إلى الجمهور وما لا يدخل،أما صانع السياسة الإعلامية فحارس بوابة الصورة الكاملة، يقرر ما يُرى وما لا يُرى، ما يُقال وما يُسكت عنه، أي علاقة تُربط وأيها تُفك،الأول يتحكم في تدفق المعلومة، والثاني يتحكم في تدفق المعنى.
الذين نجحوا في هذا العبور لم ينجحوا لأنهم صحفيون كبار، بل لأنهم امتلكوا نظرة ثاقبة مع اتزان في السلوك والانفعال، هولاء يرون المشهد من فوق، حيث يبدو الخبر اداءة،وهذه النظرة لا تمنحها غرفة الأخبار، بل تمنحها الخبرة الطويلة والصمت الطويل ومراقبة كيف يفعل السياسيون ما يفعلون خلف الكاميرات.
وحين تنظر حولك ترى الخلل نفسه يتكرر جهة ما تعين على رأس إعلامها رجلاً كل مؤهلاته أنه كان صحفياً جيداً اي كان مجاله، يظن الجميع أنهم حلوا المشكلة، والحقيقة أنهم أجّلوها،ما تحتاجه الجهة ليس من يخبر الناس عن الاجتماعات والزيارات، بل من يصنع الخطاب الذي يجعل طريق رئيس المؤسسة او الوزير ممهدا في اي زياراة او مطلب او حتى حالة شغب،او أن يجعل الهجوم لا يحدث لأن ميزان القوى ضُبط سلفاً.
حين يغيب هذا العقل صحيحا ان الحياة لا تتوقف ،لكن العلاقات التي كان يمكن أن تُنسج لا تُنسج،والمبادرة التي كان يمكن أن تُقاد يمسك بها غيرك،والفراغ لا تراه في غياب الأخبار، بل في غياب الأثر.
الخلاصة
الفرق بين الصحفي وصانع السياسة الإعلامية يكمن في اختلاف طبيعة المسؤلية والمهام،وكلاهما ضروري، و الخلط بينهما في المواقع الحساسة ينتج فراغاً استراتيجياً كلفته التاريخية باهضة بعد كل حدث او سلوك خاطئ ، وما لم تفهم المؤسسات أن صانع السياسة الإعلامية كفاءة نادرة تحتاج بصيرة و عيناً استراتيجية وذهناً سياسياً ونفساً طويلاً، وليست محطة ترقية لصحفي أمضى سنواته في المهنة، فإنها ستظل تدور في حلقة..بيانات تصدر،اخبار تنشر ، مواقع وقنوات تمتلئ، وأهداف تموت بهدوء.