تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

ثروة حضرموت.. كيف تتحول من مصدر للصراع إلى مصدر للتنمية؟

عندما نتحدث عن حضرموت، لا يمكن أن نتجاهل السؤال الأكثر حساسية في حاضرها ومستقبلها:
ماذا تفعل حضرموت بثروتها؟ وماذا تفعل الثروة بحضرموت؟
هذا السؤال ليس اقتصاديًا فقط، بل هو سؤال سياسي وإداري وحقوقي أيضًا.
فحضرموت تمتلك موارد وإمكانات تجعلها قادرة، إذا أُحسن استثمارها وإدارتها، على أن تكون نموذجًا مختلفًا في اليمن.
لكن المفارقة المؤلمة أن الأرض الغنية لا تعني بالضرورة أن الإنسان الذي يعيش عليها سيعيش غنيًا.
وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا.
المشكلة ليست فقط في حجم الموارد، وإنما في طريقة إدارة الموارد، وغياب الشفافية، وضعف التخطيط، وعدم وضوح العلاقة بين ما تنتجه حضرموت وما يعود إليها من تنمية وخدمات.
ولهذا فإن المطالبة بحقوق حضرموت لا ينبغي أن تختزل في عبارة: "نريد ثرواتنا".
السؤال الأهم هو:
ماذا سنفعل بهذه الثروة إذا أصبحت تحت إدارة حضرمية أكبر؟
هل سنعيد إنتاج نفس الأخطاء؟
هل ستتحول الموارد إلى وسيلة لتمويل المناصب والمكاسب؟
أم سنبني بها مدارس ومستشفيات وطرقًا وجامعات ومناطق صناعية وفرص عمل لأبناء حضرموت؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تكون في قلب أي مشروع سياسي حضرمي.
أنا لا أرى أن قوة حضرموت تبدأ من كمية ما تمتلكه من النفط أو الغاز أو الموانئ، بل من قدرتها على بناء إدارة تستطيع تحويل هذه الموارد إلى تنمية مستدامة.
فالثروة وحدها لا تصنع دولة.
الإدارة تصنع الفرق.
والشفافية تحمي الثروة.
والمؤسسات تضمن استمراريتها.
والإنسان هو الهدف النهائي لكل ذلك.
ومن هنا، فإن أي حديث عن حقوق حضرموت يجب أن يتجاوز مرحلة المطالبة إلى مرحلة تقديم نموذج واضح لما نريد أن تكون عليه حضرموت.
نحن بحاجة إلى أن نسأل:
كيف تدار مواردنا؟
ما حجم الإيرادات؟
ما الذي يعود إلى حضرموت؟
أين تُصرف الأموال؟
ما نسبة الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية؟
كيف نخلق فرص عمل حقيقية لأبناء المحافظة؟
وكيف نضمن أن تكون التنمية مستمرة حتى بعد انتهاء النفط؟
هذه ليست أسئلة معارضة أو موالاة.
هذه أسئلة مواطن يريد أن يعرف ماذا يحدث في أرضه.
وأعتقد أن الحضارم يجب ألا يخافوا من طرح هذه الأسئلة، بل يجب أن يجعلوها جزءًا من أي حوار سياسي يتعلق بمستقبلهم.
كما أن علينا أن ننتقل من فكرة أن حضرموت مجرد خزان للموارد إلى فكرة أنها اقتصاد متكامل.
فالثروة يمكن أن تمول التعليم، والتعليم يصنع الإنسان، والإنسان يصنع الاقتصاد، والاقتصاد القوي يبني المؤسسات، والمؤسسات تحمي الحقوق.
وهنا تبدأ حضرموت الحقيقية.
حضرموت التي لا يكون مستقبل أبنائها مرتبطًا فقط بسعر برميل النفط.
حضرموت التي يستطيع ابنها أن يجد فرصة عمل لأنه يمتلك الكفاءة، لا لأنه يعرف شخصًا.
حضرموت التي تكون فيها المناصب مسؤولية وليست مكافأة.
حضرموت التي يكون فيها معيار الاختيار هو القدرة والكفاءة، لا الولاء أو المحسوبية.
حضرموت التي يستطيع فيها المواطن أن يسأل: أين تذهب مواردنا؟ ويحصل على إجابة واضحة.
هذا في رأيي هو جوهر قضية حضرموت.
لسنا بحاجة فقط إلى أن نكون طرفًا أقوى في المعادلة السياسية، بل نحتاج إلى أن نكون طرفًا أكثر قدرة على تقديم نموذج ناجح.
لأن المطالبة بحقوق حضرموت لا تكتمل بمجرد الحصول على الحق...
بل تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية من اليوم الذي نحصل فيه عليه.
وأنا عندما أتحدث عن حضرموت، لا أتحدث فقط عن واقع أعيشه اليوم.
أتحدث عن مستقبل أبنائي.
أريد لهم حضرموت لا يكون فيها مستقبلهم مرهونًا بتغير الحكومات، أو تبدل التحالفات، أو ظهور مكون سياسي جديد.
أريد لهم حضرموت تمتلك مؤسساتها، وتحترم أبناءها، وتستثمر مواردها، وتكافئ الكفاءة، وتحمي حقوق مواطنيها.
حضرموت التي أريدها لأبنائي ليست حلمًا مستحيلًا... لكنها تحتاج إلى أن نبدأ أولًا بتحديد ما نريد، ثم نمتلك الشجاعة لبنائه.
 
"قد نختلف في الوسائل، لكن حق حضرموت في التنمية والعدالة والقرار لا ينبغي أن يكون محل خلاف."
 
يتبع...