غاز حضرموت.. بين وفرة الموارد وشحّ الإمدادات
لم تعد أزمة الغاز في محافظة حضرموت مجرد مشهد من طوابير طويلة أمام المحطات، بل تحولت إلى قضية تطرح تساؤلات جدية حول الطريقة التي تُدار بها واحدة من أهم السلع الأساسية التي يحتاج إليها المواطن في حياته اليومية.
وتزداد المفارقة وضوحًا حين ننظر إلى حضرموت، المحافظة التي تمتلك موارد طبيعية وثروات نفطية، بينما يجد مواطنوها أنفسهم أمام أزمة في الحصول على أسطوانة الغاز، وانتظار لساعات وأيام أمام المحطات للحصول على مادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها ورفع اسعارها.
المشكلة لا تتوقف عند حدود النقص، بل تتسع مع اختلاف مستوى توفر الغاز من منطقة إلى أخرى، ففي الوقت الذي يواجه فيه المواطن في ساحل ووادي حضرموت صعوبة كبيرة في الحصول على الأسطوانة، تظهر كميات متوفرة في مناطق ومحطات أخرى، ما يجعل الحديث عن غياب الغاز بصورة مطلقة تفسيرًا غير كافٍ لما يحدث.
وهنا يبرز السؤال الأهم، كيف تصل إمدادات الغاز إلى المحافظة، ثم لا تصل بالقدر الكافي إلى المواطن في المناطق الأكثر احتياجًا؟ السؤال لا يتعلق فقط بحجم الكميات المتوفرة، وإنما بمسارها وحتى وصولها إلى المستهلك، فمن المسؤول عن تحديد الحصص؟ وكيف تتم عملية التوزيع؟ وهل توجد آلية واضحة وشفافة تضمن وصول الكميات بصورة عادلة إلى مختلف المناطق؟ وأين تقع مسؤولية الوكلاء والجهات المشرفة على هذا الملف؟
هذه التساؤلات تصبح أكثر إلحاحًا مع استمرار المواطنين في الوقوف لساعات وأيام أمام محطات الغاز، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي خلفتها الأزمة، ويضع الجهات المعنية أمام مسؤولية البحث عن أسبابها الحقيقية، بدل الاكتفاء بتوصيف المشكلة، فالأسطوانة التي يبحث عنها المواطن ليست سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها، وإنما حاجة أساسية ترتبط بحياة الأسرة اليومية، وكل يوم يمر دون معالجة حقيقية يعني مزيدًا من الضغط على المواطنين، ومزيدًا من الأعباء التي لا علاقة لهم بأسبابها.
وفي محافظة بحجم حضرموت، وبما تمتلكه من موارد وإمكانات وثروات نفطية، يصبح استمرار معاناة المواطنين في الحصول على مادة أساسية مثل الغاز أكثر إثارة للتساؤل، فوفرة الموارد يفترض أن تنعكس، قبل أي شيء، على مستوى الخدمات واستقرار الاحتياجات الأساسية للمواطن، لا أن تبقى الثروة في جهة والمعاناة في جهة أخرى.
وفي مثل هذه الأزمات، لا يكفي تحديد المشكلة دون تحديد المسؤولية، المطلوب مراجعة منظومة الإمداد والتوزيع كاملة، ومعرفة أين تتعطل الكميات، وما الذي يمنع وصولها إلى المناطق التي تعاني من الشح، مع اتخاذ إجراءات واضحة وشفافة تمنع تكرار الأزمة، كما أن استمرار الأزمة يفرض على السلطة المحلية الانتقال من مرحلة المتابعة إلى مرحلة المعالجة الفعلية، سواء عبر تنظيم عملية التوزيع، أو توفير بدائل عند حدوث أي خلل في الإمدادات، أو التدخل عند ثبوت وجود احتكار أو تلاعب في السوق المحلية.
أزمة الغاز في حضرموت لم تعد مجرد أزمة أسطوانة مفقودة أو طوابير أمام المحطات، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجهات المعنية على إدارة الموارد وتأمين أبسط احتياجات المواطنين.