تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

حضرموت لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها.. بل إلى من يقود مشروعها

في المقالات السابقة تحدثنا عن المشهد السياسي اليمني، وعن موقع حضرموت في هذه المعادلة، وعن ثرواتها وما يمكن أن تمثله لمستقبل أبنائها.
لكن يبقى السؤال الأهم:
من يستطيع أن يحول كل ذلك إلى مشروع حقيقي؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في حضرموت: القيادة.
حضرموت لديها من الكفاءات والخبرات والشخصيات ما يكفي لبناء مشروع قوي، لكنها ما زالت تواجه مشكلة في تحويل هذه الطاقات إلى رؤية واحدة، وإلى قرار واضح، وإلى عمل مؤسسي مستمر.
وخلال السنوات الماضية، ظهرت مكونات وشخصيات كثيرة تحدثت باسم حضرموت، ورفعت مطالب مشروعة، وسعت إلى أن يكون للحضارم حضور أكبر في صناعة القرار.
لكن تعدد الأصوات، إذا لم يجتمع حول رؤية واضحة، قد يتحول من مصدر قوة إلى مصدر تشتت.
ولذلك لا أعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو:
من يمثل حضرموت؟
بل:
من يمتلك مشروعًا يستطيع أن يقنع الحضارم أولًا، ثم الآخرين، بأن حضرموت قادرة على إدارة مصالحها والدفاع عنها؟
القيادة ليست أن تحصل على منصب.
وليست أن تظهر في اجتماع أو مؤتمر.
وليست أن تحمل اسم مكون أو تتحدث في وسائل الإعلام.
القيادة الحقيقية هي أن تمتلك رؤية، وأن تعرف أين تريد أن تصل، وأن تستطيع جمع المختلفين حول هدف مشترك، وأن تتحمل مسؤولية القرار ونتائجه.
وهنا أعتقد أن حضرموت بحاجة إلى تغيير مهم في طريقة تفكيرها.
بدل أن نبحث دائمًا عن شخصية تنقذنا، علينا أن نبني مؤسسات قادرة على صناعة القرار.
وبدل أن ننتظر من الآخرين أن يختاروا لنا ممثلينا، علينا أن نمتلك معايير واضحة لاختيار من يمثلنا.
وبدل أن تكون الكفاءة مجرد شعار، يجب أن تصبح أساسًا في اختيار القيادات.
نحن بحاجة إلى إدارة لا تسأل الشخص: من تعرف؟
بل تسأله: ماذا تستطيع أن تقدم؟
نحتاج إلى مسؤول يُحاسب على النتائج، لا على عدد الولاءات التي يمتلكها.
ونحتاج إلى مكون سياسي أو اجتماعي يستطيع أن يعلن للناس بوضوح: ما أهدافه؟ ما مصادر تمويله؟ ما أولوياته؟ وماذا حقق؟
هذه ليست مطالب مثالية، بل أبسط قواعد العمل المؤسسي.
وأعتقد أن حضرموت إذا أرادت أن تكون لاعبًا حقيقيًا في المشهد السياسي، فعليها أن تنتقل من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة صناعة الفعل.
لا ننتظر حتى تتخذ الأطراف الأخرى قراراتها ثم نبحث عن موقف حضرمي منها.
بل يجب أن يكون لدينا موقف ورؤية وأهداف واضحة، ثم نتعامل مع الآخرين من موقع الشراكة والمصلحة.
حضرموت لا تحتاج إلى عداوة مع أحد.
ولا تحتاج إلى الدخول في صراع مع أحد.
هي بحاجة إلى أن تعرف قيمة موقعها، وأن تستخدم هذه القيمة بعقل سياسي هادئ، وبخطاب مسؤول، وبمؤسسات قوية.
وأنا شخصيًا لا أبحث عن حضرموت التي تنتصر على الآخرين.
أبحث عن حضرموت التي تنتصر لأبنائها.
حضرموت التي يحصل فيها الشاب على فرصة لأنه كفؤ.
حضرموت التي تدار فيها الموارد بشفافية.
حضرموت التي تكون فيها المناصب مسؤولية وليست غنيمة.
حضرموت التي يكون فيها الاختلاف السياسي وسيلة لتطوير الأفكار، وليس سببًا لتقسيم المجتمع.
حضرموت التي يستطيع أبنائي أن ينظروا إليها بعد سنوات ويقولوا:
لقد كان آباؤنا يعرفون ماذا يريدون، ولذلك استطعنا أن نبني على ما بدأوه.
هذه بالنسبة لي هي القضية الحقيقية.
أنا لا أبحث عن موقع في صراع الوحدة والانفصال، ولا أريد أن أكون جزءًا من اصطفاف جديد.
ما أريده هو أن يكون لحضرموت صوت عقلاني، واضح، ومسؤول يطالب بحقوقها، ويضع مصلحة أبنائها فوق أي اعتبار.
لأنني أؤمن أن المطالبة بحقوق حضرموت ليست خصومة مع أحد.
هي مسؤولية تجاه أبنائنا ومستقبلهم.
وقد نختلف اليوم على الطريق، لكن علينا أن نتفق على الوجهة:
حضرموت أولًا... وحقوق أبنائها أولًا.
 
"قد نختلف في الوسائل، لكن حق حضرموت في التنمية والعدالة والقرار لا ينبغي أن يكون محل خلاف."
 
يتبع...