تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

ماذا نريد من حضرموت؟

بعد أربعة مقالات تناولنا فيها المشهد السياسي اليمني، وموقع حضرموت فيه، وثرواتها، وأزمة التمثيل والقيادة، أعتقد أن الوقت حان لطرح السؤال بصورة أكثر وضوحًا:
إذا كنا نقول إن حضرموت أولًا... فماذا نريد تحديدًا؟
هذا السؤال في رأيي أهم من أن نسأل: مع من نقف؟
لأن حضرموت لا ينبغي أن تكون مجرد موقف من مشروع سياسي، ولا ورقة في صراع بين أطراف مختلفة.
حضرموت تحتاج إلى أن يكون لديها مشروع واضح لحقوقها ومصالح أبنائها، تستطيع أن تضعه أمام الحكومة، وأمام القوى السياسية، وأمام المجتمع الإقليمي والدولي، وتقول بوضوح:
هذه هي حضرموت التي نريدها.
نريد إدارة أكثر قدرة على اتخاذ القرار.
نريد مؤسسات محلية تقوم على الكفاءة والشفافية.
نريد أن تكون لأبناء حضرموت الأولوية في الوظائف والفرص، وفق معايير الكفاءة والاستحقاق.
نريد أن تتحول موارد حضرموت إلى مشاريع تنموية يشعر بها المواطن في التعليم والصحة والطرق والكهرباء والمياه والخدمات.
نريد شفافية حقيقية في الإيرادات والمصروفات، حتى يعرف المواطن ماذا تنتج أرضه وأين تذهب مواردها.
نريد أن تكون لحضرموت كلمة واضحة في أي ترتيبات سياسية تتعلق بمستقبل اليمن.
ونريد قبل كل ذلك أن يكون هناك احترام لإرادة أبناء حضرموت وتنوعهم، بعيدًا عن فرض الوصاية عليهم من أي جهة كانت.
هذه المطالب لا تعني أننا ضد الوحدة.
ولا تعني أننا مع الانفصال.
ولا تعني أننا نريد الدخول في خصومة مع أي طرف.
بل تعني ببساطة أننا نريد أن تكون حقوق حضرموت واضحة ومستقلة عن الخلافات السياسية الكبرى.
فحتى المختلفون حول مستقبل شكل الدولة يستطيعون أن يتفقوا على أن المواطن الحضرمي يستحق حياة أفضل، وأن ثروات حضرموت يجب أن يكون لها أثر واضح على تنميتها، وأن أبناءها يجب أن يكون لهم حضور حقيقي في مؤسسات الدولة وصناعة القرار.
وهنا أعتقد أن مسؤوليتنا كحضارم أكبر من مجرد انتقاد الآخرين.
علينا أن نجيب عن أسئلة أصعب:
ما شكل الإدارة التي نريدها؟
كيف نريد إدارة مواردنا؟
كيف نضمن الشفافية؟
كيف نخلق اقتصادًا لا يعتمد على النفط وحده؟
كيف نؤهل شبابنا للوظائف التي تحتاجها حضرموت؟
كيف نضمن انتقالًا حقيقيًا من إدارة الأزمات إلى صناعة التنمية؟
وكيف نبني قيادة لا تتغير بتغير الأشخاص، لأن المؤسسات هي التي تستمر؟
هذه الأسئلة هي التي ستصنع المشروع الحضرمى الحقيقي.
أما الاكتفاء بالشعارات، فلن يغير شيئًا.
وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث لقضية عادلة هو أن تتحول من قضية حقوق إلى مجرد منافسة على المواقع.
حضرموت أكبر من أي مكون، وأكبر من أي شخصية، وأكبر من أي منصب.
ولهذا فإن أي مكون أو شخصية أو مشروع يستحق الدعم بقدر ما يقدم لحضرموت، وليس بقدر ما يمتلك من حضور إعلامي أو سياسي.
أنا شخصيًا لا أبحث عن حضرموت التي تنتصر في الخطابات.
أبحث عن حضرموت التي تنتصر في حياة أبنائها.
أريد أن يرى ابني مستقبلًا أفضل مما رأيته أنا.
أن يجد فرصة عمل تحفظ كرامته.
أن يحصل على تعليم جيد.
أن يجد مستشفى يستطيع أن يثق به.
أن يعيش في بيئة آمنة ومستقرة.
وأن يعرف أن ثروات الأرض التي ولد عليها لم تكن يومًا سببًا في حرمانه، بل كانت جزءًا من بناء مستقبله.
هذه هي حضرموت التي أريدها.
ولذلك فإن المطالبة بحقوق حضرموت بالنسبة لي ليست موقفًا سياسيًا عابرًا، ولا بحثًا عن مكسب شخصي.
إنها مسؤولية تجاه جيل كامل، وتجاه أبنائنا الذين لا ذنب لهم في صراعاتنا السياسية.
قد نختلف حول شكل الدولة القادمة، وقد نختلف حول المكونات والمشاريع، لكن يجب ألا نختلف حول حق حضرموت في أن يكون لها صوت، وقرار، وتنمية، وعدالة، ومكانة تليق بها.
حضرموت أولًا ليست شعارًا... بل مسؤولية.
والمسؤولية تبدأ عندما نعرف ماذا نريد، ثم نمتلك الشجاعة والوعي والمؤسسات التي تمكننا من الوصول إليه.
 
"قد نختلف في الوسائل، لكن حق حضرموت في التنمية والعدالة والقرار لا ينبغي أن يكون محل خلاف."
 
يتبع...