تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

هل تستطيع حضرموت أن تعتمد على نفسها؟

في المقالات السابقة تحدثنا عن المشهد السياسي، وعن موقع حضرموت في معادلة القوى، وعن ثرواتها، وعن القيادة، ثم حاولنا أن نجيب عن سؤال: ماذا نريد من حضرموت؟
واليوم أعتقد أن علينا أن نطرح سؤالًا أكثر أهمية:
إذا حصلت حضرموت على حقوقها، فماذا ستفعل بها؟
لأن المطالبة بالحقوق وحدها لا تكفي.
الحقوق التي لا تتحول إلى قدرة، تبقى مجرد مطالب.
حضرموت تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على بناء اقتصاد قوي ومستدام، لكننا اعتدنا أن ننظر إلى حضرموت من زاوية النفط فقط، وكأن ثروتها تبدأ من النفط وتنتهي عنده.
وهذا في رأيي اختزال خطير لمستقبل حضرموت.
حضرموت تمتلك ساحلًا طويلًا، وثروة سمكية، وأراضي زراعية، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وموانئ، وثروة حيوانية، وإمكانات سياحية، ومساحات واسعة يمكن أن تستثمر في الطاقة والزراعة الحديثة والصناعات المختلفة، إضافة إلى رأس مال بشري حضرمي منتشر داخل اليمن وخارجه.
السؤال إذن ليس:
هل تملك حضرموت المقومات؟
بل:
هل نملك الرؤية والإدارة التي تستطيع تحويل هذه المقومات إلى اقتصاد حقيقي؟
وهنا أعتقد أن قضية حضرموت يجب أن تنتقل من مرحلة المطالبة إلى مرحلة التفكير في الاكتفاء والاعتماد على الذات.
فلا يمكن أن يكون مستقبل حضرموت مرتبطًا إلى الأبد بسعر النفط، أو بالمساعدات، أو بما تقرره الحكومة، أو بما تسمح به موازين القوى السياسية.
نحن بحاجة إلى اقتصاد يستطيع أن يقف على قدميه.
اقتصاد يبدأ من الأرض.
لماذا لا تكون الزراعة الحديثة واحدة من أولوياتنا؟
لماذا لا نستثمر في التقنيات الزراعية الحديثة، والبيوت المحمية، وإدارة المياه، وسلاسل التبريد، والتصنيع الغذائي، والتسويق؟
لماذا لا تتحول حضرموت من مستهلك للكثير من المنتجات الغذائية إلى منتج ومصدر؟
ولماذا لا تكون ثروتنا السمكية صناعة متكاملة تبدأ من الصيد ولا تنتهي عند بيع الأسماك، بل تشمل التخزين والتصنيع والتصدير؟
ولماذا لا نستثمر في الطاقة الشمسية، خصوصًا مع الإمكانات الطبيعية التي تمتلكها حضرموت؟
ولماذا لا نربط التعليم باحتياجات اقتصادنا بدل أن نخرج أجيالًا تحمل شهادات ثم تبحث عن وظيفة في مكان آخر؟
هذه ليست أحلامًا بعيدة.
إنها أسئلة يجب أن تكون جزءًا من أي رؤية مستقبلية لحضرموت.
فالنفط يمكن أن يمول بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمناطق الصناعية ومراكز التدريب، لكنه لا يجب أن يكون هو المشروع الاقتصادي نفسه.
الثروة الحقيقية هي أن نستخدم موارد اليوم لبناء اقتصاد يستطيع أن يعيش عندما تتراجع موارد النفط.
وهنا يأتي دور الإنسان الحضرمي.
لا يمكن أن نبني اقتصادًا جديدًا بعقلية الإدارة القديمة.
نحن بحاجة إلى جيل يعرف الإدارة الحديثة، والتقنية، وريادة الأعمال، والاستثمار، والتسويق، والصناعة، والزراعة الحديثة.
نحتاج إلى أن يصبح الشاب الحضرمي جزءًا من صناعة الاقتصاد، وليس مجرد باحث عن وظيفة.
كما نحتاج إلى بيئة تشجع المستثمر الحضرمي، وتحمي رأس المال، وتمنح صاحب المشروع فرصة حقيقية للعمل بعيدًا عن التعقيدات والمحسوبية.
وعندما نتحدث عن الاعتماد على الذات، لا يعني ذلك أن حضرموت ستعيش بمعزل عن اليمن أو عن محيطها.
بالعكس.
حضرموت القوية اقتصاديًا ستكون شريكًا أفضل، وستدخل أي علاقة سياسية من موقع أكثر توازنًا، لأنها لا تعتمد في كل احتياجاتها على الآخرين.
القوة السياسية تحتاج إلى قوة اقتصادية، والقوة الاقتصادية تحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى إنسان مؤهل.
وهذه هي الحلقة التي يجب أن نفكر فيها.
لهذا فإن قضية حضرموت بالنسبة لي ليست فقط: كم نحصل من النفط؟
بل:
ماذا نبني بما نحصل عليه؟
هل نبني اقتصادًا؟
هل نبني إنسانًا؟
هل نبني مؤسسات؟
هل نبني مستقبلًا لا يعتمد على مورد واحد؟
هذه هي الأسئلة التي أريد أن أرى حضرموت تناقشها.
لأنني عندما أتحدث عن حقوق حضرموت، لا أتحدث فقط عن حقوق جيلي.
أتحدث عن حقوق أبنائي.
لا أريد أن يرث أبنائي نفس الأسئلة التي ورثناها نحن.
لا أريد أن يسألوا بعد عشرين عامًا: أين ذهبت ثروات حضرموت؟
أريدهم أن يروا مدارس أفضل، وجامعات أكثر ارتباطًا بسوق العمل، واقتصادًا منتجًا، ومزارع حديثة، ومصانع، وموانئ فاعلة، وفرص عمل، ومؤسسات تحترم الإنسان والكفاءة.
أريد أن تكون حضرموت قادرة على إنتاج غذائها، وتطوير صناعتها، واستثمار مواردها، وصناعة فرصها، وإدارة شؤونها بكفاءة.
أنا لا أريد لحضرموت أن تكون أغنى محافظة في اليمن فقط، بل أريدها أن تكون أكثر محافظة قدرة على إدارة نفسها وبناء مستقبل أبنائها.
وهنا يبدأ المعنى الحقيقي لعبارة:
حضرموت أولًا.
فحضرموت أولًا لا تعني أن ندير ظهورنا للآخرين...
بل تعني أن نمتلك من القوة والوعي والاقتصاد والمؤسسات ما يجعلنا قادرين على أن نكون شريكًا حقيقيًا، لا تابعًا لأحد.
 
"قد نختلف في الوسائل، لكن حق حضرموت في التنمية والعدالة والقرار لا ينبغي أن يكون محل خلاف."
 
يتبع...