تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

حضرموت بين تعدد المكونات وغياب القرار

لم تكن حضرموت يومًا بلا أصوات تتحدث باسمها، بل ربما أصبح لدينا اليوم من المكونات والكيانات والواجهات التي ترفع اسم حضرموت ما يكفي لملء المشهد السياسي.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه ليس: كم مكونًا يتحدث باسم حضرموت؟

بل: ماذا استطاعت هذه المكونات أن تحقق لحضرموت؟ وأين هو القرار الحضرمي الذي يجتمع عليه أبناؤها؟

التعدد في حد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون مصدر قوة إذا كان تنافسًا على تقديم أفضل الرؤى والمشاريع، وإذا كان الاختلاف في الوسائل لا في الثوابت.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعدد إلى حالة من التنافس على التمثيل والمواقع والنفوذ، بينما تبقى القضايا الأساسية لحضرموت معلقة، ويظل المواطن ينتظر نتائج ملموسة.

حضرموت لا تحتاج إلى مكوّن واحد يحتكر الحديث باسمها، كما أنها لا تحتاج إلى عشرات المكونات التي يتحدث كل منها باعتباره صاحب القرار.

ما تحتاجه هو مشروع واضح، وثوابت مشتركة، وآلية مؤسسية لصناعة القرار الحضرمي.

قد نختلف في رؤيتنا السياسية، وقد تختلف أدواتنا وطرقنا، وهذا أمر طبيعي.

لكن هل يمكن أن نتفق على الحد الأدنى؟

أن تكون لحضرموت إدارة أكثر كفاءة واستقلالية في شؤونها المحلية.

أن تكون مواردها ومقدراتها محل إدارة شفافة وعادلة تعود بالنفع على أبنائها.

أن تكون الكفاءة والنزاهة أساسًا في شغل الوظائف والمواقع العامة.

أن يكون لحضرموت حضور حقيقي في أي ترتيبات سياسية قادمة.

أن تكون الخدمات والتنمية وحقوق المواطنين في مقدمة أي مشروع سياسي.

وأن يكون القرار الذي يتعلق بمستقبل حضرموت نابعًا من إرادة حضرمية واعية، لا مجرد رد فعل على مشاريع الآخرين.

هذه ليست مطالب مكون دون آخر، ولا ينبغي أن تكون ملكًا لحزب أو جماعة أو شخصية.

هذه قضايا حضرموت.

وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تختلط القضية بالمصلحة الخاصة، فيصبح الموقع أهم من المشروع، والتمثيل أهم من النتيجة، وتصبح الخلافات بين المكونات أكبر من القضايا التي اجتمعت من أجلها أصلًا.

أنا لا أكتب هذا لإلغاء أي مكوّن، ولا لأمنح نفسي أو غيري حق احتكار تمثيل حضرموت.

بل على العكس..

أعتقد أن قوة حضرموت تبدأ عندما ندرك أن أحدًا لا يستطيع وحده أن يمثل كل الحضارم، وأن المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، وإنما إدارة الاختلاف بما يخدم حضرموت.

نحن بحاجة إلى أن تنتقل المنافسة من سؤال:

من يمثل حضرموت؟

إلى سؤال أكثر أهمية:

من يملك المشروع الأفضل لحضرموت؟

ومن هنا يمكن أن يبدأ التنافس الحقيقي..

تنافس في الرؤية، في البرامج، في القدرة على الإنجاز، وفي تقديم حلول لمشكلات الناس.

أما أن تبقى حضرموت أمام تعدد في الواجهات، وتعدد في الخطابات، بينما لا يوجد توافق حتى على الحد الأدنى من أولوياتها، فهذه ليست قوة سياسية بقدر ما هي فرصة ضائعة.

حضرموت اليوم أمام مسؤولية تاريخية.

والوقت لم يعد مناسبًا لأن يكون كل مكوّن مشغولًا بإثبات أنه الأحق بالتمثيل، بينما يظل المواطن يبحث عن أثر هذا التمثيل في حياته.

نحن لا نحتاج أن نتفق في كل شيء..

لكننا بحاجة إلى أن نتفق على ألا يتحول اختلافنا إلى سبب في ضياع حقوقنا.

فكثرة الأصوات لا تعني بالضرورة قوة الموقف، والقوة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الأصوات المختلفة إلى موقف حضرمي واضح، مؤسسي، ومتوازن.

وأنا شخصيًا لا أبحث عن خصومة مع أحد، ولا عن إلغاء أحد.

كل ما أريده أن أرى حضرموت تنتقل من مرحلة أن يتحدث الآخرون عنها إلى مرحلة أن تتحدث هي عن نفسها، وتحدد ما تريد، وتفاوض عليه، وتدافع عنه.

فما نختلف عليه اليوم يمكن أن نتجاوزه غدًا..

لكن ما نخسره اليوم قد لا نستطيع استعادته بسهولة.

حضرموت أولًا..

ليس معناها أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على أن مصلحة حضرموت يجب أن تبقى فوق خلافاتنا.

 

 

"قد نختلف في الوسائل، لكن حق حضرموت في التنمية والعدالة والقرار لا ينبغي أن يكون محل خلاف."