حضرموت وأوراق القوة... لماذا لا تتحول الجغرافيا والثروة إلى نفوذ سياسي؟
في العلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الأطراف بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تملكه من أوراق قوة، وبقدرتها على تحويل هذه الأوراق إلى مصالح ونفوذ وقرار.
وهنا يأتي السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة:
ماذا تملك حضرموت من أوراق القوة؟
جغرافيا واسعة.
ساحل طويل على بحر العرب.
موقع استراتيجي.
ثروات طبيعية.
موارد نفطية.
ثروة سمكية.
أراضٍ زراعية قابلة للتطوير.
موانئ ومنافذ.
ومجتمع حضرمي يمتلك خبرات ورؤوس أموال ممتدة خارج حدود المحافظة واليمن.
هذه ليست مجرد موارد اقتصادية.
هذه، بمفهوم العلاقات الدولية، عناصر قوة يمكن أن تتحول إلى نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي.
لكن المشكلة ليست في غياب أوراق القوة.
المشكلة في كيفية توظيفها.
فالثروة التي لا تتحول إلى تنمية، تظل مجرد مورد.
والموقع الجغرافي الذي لا يتحول إلى نفوذ، يبقى مجرد موقع على الخريطة.
والساحل الذي لا يتحول إلى اقتصاد بحري وموانئ وخدمات لوجستية، لا يستفيد من قيمته الاستراتيجية كما ينبغي.
والقوة البشرية التي لا تجد طريقها إلى القرار والإدارة، تتحول إلى طاقات خارج حدودها.
وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة:
هل تعاملنا مع حضرموت باعتبارها صاحبة مصالح ومقومات قوة، أم تعاملنا معها طويلًا باعتبارها مساحة جغرافية وموارد يمكن أن تخدم مشاريع الآخرين؟
هذا السؤال لا يستهدف طرفًا بعينه.
بل يستهدف طريقة تفكير كاملة.
في السياسة، لا يكفي أن تكون لديك أوراق قوية.
يجب أن تعرف متى تستخدمها، وكيف تفاوض بها، وما الذي تريد الحصول عليه مقابلها.
الدول لا تدخل المفاوضات وهي تقول فقط: "نحن نملك النفط".
بل تدخل وهي تعرف قيمة النفط، والموقع، والموانئ، والسوق، والأمن، والطرق التجارية، والموارد البشرية، وماذا يمكن أن تقدم وماذا يمكن أن تطلب.
وهنا تحديدًا تحتاج حضرموت إلى إعادة تعريف قوتها.
فهل قيمة حضرموت في النفط فقط؟
إذا كان الجواب نعم، فنحن نختصر حضرموت في مورد قابل للنضوب والتقلب.
أما إذا نظرنا إلى الصورة كاملة، فسنجد أن حضرموت تمتلك منظومة متكاملة من عناصر القوة:
الأرض، البحر، الموقع، الموارد، الإنسان، رأس المال، والموقع الجغرافي.
والسؤال الحقيقي ليس: كم برميلًا تنتج حضرموت؟
بل:
كم قيمة اقتصادية وسياسية يمكن أن تصنعها حضرموت من مجموع هذه المقومات؟
هنا تبدأ السياسة الحقيقية.
لأن الاقتصاد والسياسة والأمن والجغرافيا لم تعد ملفات منفصلة.
الميناء اقتصاد وسياسة.
الساحل أمن واستثمار.
الطريق التجاري نفوذ.
الطاقة قرار سياسي.
والتعليم والاستثمار في الإنسان جزء من القوة الوطنية على المدى الطويل.
ولهذا فإن اختزال حقوق حضرموت في نسبة من عائدات النفط، أو تحسين خدمة هنا أو هناك، لا يعكس كامل حجم القضية.
نحن بحاجة إلى التفكير بطريقة أكبر.
ماذا لو تحولت حضرموت إلى مركز اقتصادي ولوجستي على بحر العرب؟
ماذا لو أصبحت الثروة السمكية صناعة متكاملة بدل بيع المنتج خامًا؟
ماذا لو تحولت الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي إلى جزء من أمنها الغذائي؟
ماذا لو استُثمر موقعها البحري في النقل والخدمات اللوجستية؟
ماذا لو أصبح التعليم مرتبطًا باحتياجات اقتصادها؟
وماذا لو استطاعت حضرموت أن توظف أبناءها في الخارج ورؤوس أموالهم وخبراتهم ضمن مشروع اقتصادي حقيقي؟
عندها لن تكون حضرموت مجرد محافظة تطالب بحصتها.
بل ستكون طرفًا يملك ما يجعله قادرًا على التفاوض من موقع مختلف.
وهنا أصل إلى نقطة أعتقد أنها الأهم:
النفوذ لا يُمنح... النفوذ يُبنى.
لا يمكن أن نطالب الآخرين باحترام وزن حضرموت بينما نحن أنفسنا لم نبنِ أدوات تجعل هذا الوزن مؤثرًا.
ولا يمكن أن ننتظر من الآخرين أن يعاملونا كشريك سياسي حقيقي إذا كنا ندخل كل مرحلة ونحن مختلفون على تعريف مصالحنا وأولوياتنا.
حضرموت لا تحتاج إلى رفع سقف الشعارات بقدر ما تحتاج إلى رفع مستوى قدرتها.
قدرة اقتصادية.
قدرة مؤسسية.
قدرة تفاوضية.
قدرة بشرية.
وقدرة على تحويل موقعها ومواردها إلى مصالح ملموسة.
وهنا يجب أن يكون السؤال لكل من يتحدث عن مستقبل حضرموت:
هل مشروعك يبني قوة حضرموت، أم يبني فقط قوة المكوّن الذي تتحدث باسمه؟
لأن الفرق كبير.
قد يكسب مكوّن مقعدًا، أو منصبًا، أو حضورًا في اجتماع.
لكن حضرموت لا تكسب شيئًا إذا لم يتحول ذلك إلى مؤسسات أقوى، واقتصاد أقوى، وقرار أقوى، وحياة أفضل لأبنائها.
أنا لا أبحث عن حضرموت التي تكون طرفًا في صراع الآخرين.
أبحث عن حضرموت التي تعرف قيمة موقعها، وتعرف قيمة مواردها، وتعرف قيمة إنسانها، وتعرف كيف تستخدم هذه الأوراق لصناعة مستقبلها.
فالسياسة ليست فقط أن يكون لك صوت على الطاولة...
بل أن تمتلك من أوراق القوة ما يجعل الآخرين يصغون عندما تتحدث.
وحضرموت، في تقديري، لا ينقصها ما تتحدث به.
ينقصها أن تحوّل ما تملكه إلى قوة.
وعندما يحدث ذلك، لن يكون السؤال:
من يمثل حضرموت؟
بل سيصبح السؤال الأهم:
ماذا تريد حضرموت؟
وعندها فقط يمكن أن تنتقل حضرموت من موقع المطالِب بحقوقه إلى موقع الشريك الذي يملك أوراقه ويعرف كيف يديرها.
حضرموت أولًا...
ليست أن نأخذ أكثر من غيرنا.
بل أن نعرف قيمة ما نملك، وأن نبني القدرة التي تجعل حقوقنا واقعًا، لا مجرد مطالب تتكرر في كل مرحلة.