تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

زلزال قبلي يزلزل صحراء الجوف بعد إهانة الشيخ بن فدغم

تتحول صحراء الريان شرقي محافظة الجوف اليمنية إلى ساحة نفير مسلح غير مسبوق، حيث تتدفق قوافل القبائل المسلحة من مختلف المحافظات تلبيةً لنداء "النكف العام" الذي أطلقه الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، فور وصوله إلى مناطق الحكومة الشرعية عقب رحلة فرار مريرة من زنازين الحوثيين في صنعاء، حيث يمثل هذا الاحتشاد القبلي الهائل، الذي يتسع جغرافياً بشكل متسارع، حجم التوتر المكتوم وانفجار الكبرياء القبلي في وجه الممارسات الأمنية والانتهاكات التي تمارسها سلطة الأمر الواقع (ميلشيا الحوثي) بحق الرموز القبلية والاجتماعية في شمال اليمن.

وتعود جذور الأزمة المشتعلة إلى قضية بالغة الحساسية في العرف القبلي اليمني، بدأت عندما لجأت امرأة تُدعى "ميرا صدام حسين" إلى الشيخ الحزمي طالبةً الحماية والمنعة القبلية "الاستجارة"، عقب تعرض منزلها في صنعاء للمداهمة والنهب من قِبل قيادات حوثية نافذة، وعملاً بأسلاف وآباء القبيلة الموروثة التي تُحرم خذلان المستجير وتعتبره "عيباً أسود"، قام الشيخ بن فدغم بمنح المرأة حق الأمان ووفر لها مسكناً يحميها، وهو التحدي الذي واجهته القيادات الحوثية في صنعاء بتسيير حملة عسكرية حاصرت المنطقة واعتقلت الشيخ والمرأة معاً في نقطة الحتارش خلال شهر مايو الماضي.

وفجّر الشيخ حمد بن فدغم الحزمي غضب القبائل عقب تمكنه من مغادرة صنعاء ووصوله إلى خطوط التماس في منطقة الريان بمديرية خب والشعف، حيث ظهر في تسجيل مرئي بثه من وسط الصحراء يكشف فيه عن تفاصيل التعذيب والترهيب الذي تعرض له في المعتقل لإجباره على التوقيع على اعترافات مزورة تبرر انتهاك حرمة مستجيرته، وفي خطوة بالغة الرمزية والأثر في الوجدان القبلي، قام الشيخ بكسر رأس جنبيته "الجَفْل"، وهي إشارة تقليدية تعني في القاموس الاجتماعي خلع ثوب المهادنة وإعلان استغاثة قصوى تضع قبائل اليمن قاطبة أمام خيار النصرة أو تحمل وصمة العار، مما أحدث هزة ارتدادية سريعة استنفرت المقاتلين من كل حدب وصوب.

وتتكامل اللوحة الميدانية في مطارح الريان عبر خارطة تحشيد واسعة تجاوزت الخلافات البينية، حيث شكلت قبائل دهم بفروعها المختلفة كبني نوف والمرازيق وآل ذوي وآل معافة النواة الصلبة والخط الدفاعي الأول للاعتصام المسلح، ولم يتوقف النفير عند حدود الجوف، بل امتدت قوافل المدد العسكري والقبلي لتشمل مقاتلين من مأرب وضبيان ووائلة وعمران، وصولاً إلى تدفق مواكب قبلية كبرى قطعت مسافات شاسعة من محافظتي حضرموت والمهرة، وعلى رأسها قبائل المناهيل ونهد، لإعلان التضامن الكامل ورفض سياسة تركيع الشيوخ وتجريد القبيلة من مخالبها الأعرافية.

وتتجه الأوضاع نحو حافة الصدام العسكري المباشر بعد لجوء جماعة الحوثي إلى استخدام القوة المفرطة لترهيب المعتصمين، حيث شنت الطائرات المسيرة الانتحارية التابعة للجماعة هجوماً جوياً استهدف مخيمات القبائل وموقع الشيخ حمد بن فدغم الحزمي في صحراء الريان، فيما أكدت مصادر ميدانية أن مقاتلي القبائل تصدوا للمسيرات بالمضادات الأرضية وسط حالة استنفار قتالي قصوى، بالتزامن مع وصول وساطة قبلية أرسلها القيادي الحوثي فارس مناع تعرض "التحكيم القبلي" لامتصاص الغضب، وهو العرض الذي قوبل برفض قبلي صارم يشترط أولاً الإفراج الفوري عن المرأة المستجيرة وتأمين وصولها إلى المطارح مع رد الاعتبار الكامل.

ويكشف هذا الحشد العابر للمحافظات عن تحول استراتيجي في طبيعة الصراع باليمن، حيث تسببت هذه القضية الإنسانية والقبلية في تعرية محاولات الجماعة لتفكيك البنية الاجتماعية التقليدية، ويشير في الوقت ذاته صمود القبائل في الريان أمام القصف الجوي ورفضها المهدئات السياسية إلى أن المخيمات الممتدة في عمق الصحراء لم تعد مجرد تجمّع للمطالبة بإنصاف شيخ قبلي، إنما تحولت إلى نواة جبهة وطنية واجتماعية عريضة تمتلك القدرة على قطع خطوط الإمداد الحيوية وتأسيس مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة التي قد تغير موازين القوى في مناطق شرق وشمال اليمن بشكل كامل.