تحت سقف التهدئة.. دوافع التصعيد الحوثـ.ـي وحسابات المواجهة المؤجلة
تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حدة الخطاب الإعلامي والعسكري لمليشيا الحوثي تجاه المملكة العربية السعودية الشقيقة، مع عودة الحديث عن "المواجهة العسكرية" و"طرد المحتل"، في تحول لافت يتناقض ظاهريًا مع إعلان زعيم الجماعة قبل أسابيع، خلال ذروة المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، أن جماعته "لن تهاجم أي بلد مسلم"، وهذا التحول المفاجئ يطرح تساؤلات جوهرية حول أبعاده وتوقيته وأهدافه الحقيقية.
يكشف تحليل السياق الأوسع أن الملف الاقتصادي لا يزال يشكل أولوية قصوى لدى الجماعة، خصوصًا ما يتصل بملف رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها، وإعادة تصدير النفط، والتدفقات المالية المرتقبة من أي تسوية سياسية قادمة، ويبدو أن التصعيد الحالي يأتي في لحظة تشهد تعثرًا في هذه الملفات الحيوية، مما يرجح فرضية أن رفع السقف التفاوضي يهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية أكبر على طاولة المفاوضات.
غير أن ثمة عقبة رئيسية تقف حجر عثرة أمام طموحات الجماعة الاقتصادية، وتتمثل في الموقف الأمريكي الذي لا يزال يرسم خطوطًا حمراء صارمة أمام أي ترتيبات مالية أو اقتصادية يمكن أن يستفيد منها الحوثيون بصورة مباشرة، سواء في ملف الرواتب أو عائدات النفط، ما لم تكن جزءًا لا يتجزأ من مسار سياسي شامل ينهي الحرب، وتدرك الجماعة جيدًا أن واشنطن تعارض منحها مكاسب اقتصادية كبيرة خارج هذا الإطار، وهو ما يجعل الضغوط السياسية والإعلامية إحدى أدواتها الأساسية لتحسين شروط التفاوض وتليين المواقف الدولية.
السعودية في مرمى الخطاب.. رسائل متعددة الاتجاهات
يُقرأ الخطاب التصعيدي الحوثي الأخير، في أحد مستوياته المهمة، بوصفه رسالة موجهة إلى المملكة العربية السعودية تؤكد فيها الجماعة أنها لا تزال تمتلك أوراق ضغط قابلة للاستخدام عند الحاجة، على الرغم من مسار التهدئة المستمر منذ أكثر من عام، وهي رسالة تهدف إلى تذكير الرياض بأن خيار التصعيد لم يُسحب بالكامل من الطاولة.
ويقول الصحفي أحمد الشلفي في منشور له على الفيسبوك "الخطاب التصعيدي رسالة موجهة إلى المملكة العربية السعودية للتأكيد أن الجماعة ما تزال تمتلك أوراق ضغط يمكن استخدامها عند الحاجة، وقد يكون جزء من هذا الخطاب مرتبطًا باستباق أي تحركات سياسية أو عسكرية من جانب الحكومة اليمنية أو القوى المناوئة للحوثيين".
وتقول خديجة المطري "وانتوا مصدقين الحوثي انه قادر يعمل نفير؟؟ يلا جهده انه يرسل مسيره وعادها تسقط عرض البحر قبل ماتوصل للهدف لانه ماعادبووش معه زلط ولا عاد باقي مع الناس بالشمال زلط عشان يحلبهم ويسلح نفسه، واصلا خسران خسران لو يفتح جبهه الحوثي اليوم مش زي الحوثي اول ما بداء ابداً، ولو ينقلب في من بينقلب عليه منهم وفيهم لانه الشعب عنده قده جاااوع وضابح".
وفي البعد الداخلي، يؤدي هذا التصعيد وظيفة تعبوية مهمة للميليشيا، إذ يساعد في إعادة شحن القاعدة الشعبية والعسكرية، وتحويل الاهتمام بعيدًا عن التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة داخل مناطق سيطرتها، والتي تشمل تدهور الخدمات الأساسية وتأخر صرف المرتبات وارتفاع معدلات الفقر.
كما قد يكون جزء من هذا الخطاب مرتبطًا بمحاولة استباق أي تحركات سياسية أو عسكرية محتملة من جانب الحكومة الشرعية أو القوى المناوئة للجماعة، في ظل مؤشرات على تزايد الاستعدادات العسكرية لدى الطرف الآخر.
وسجل الجماعة خلال الأشهر الأخيرة، قدرًا كبيرًا من الحسابات الدقيقة في إدارة مواقفها الإقليمية، وتجنبت بحذر الانخراط في مواجهات مباشرة واسعة النطاق خلال الحرب التي دارت رحاها بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
ميزان قوى متغير واستعداد متبادل
حتى لو افترضنا وجود توجه حقيقي نحو التصعيد العسكري، فإن معادلة القوة على الأرض لم تعد كما كانت في السنوات الماضية، فهناك استعدادات وتجهيزات عسكرية أكبر لدى الطرف الآخر، وتحديدًا الحكومة اليمنية وحلفاؤها، الذين باتوا يتعاملون مع احتمالية المواجهة المقبلة باعتبارها سيناريو قائمًا وليس احتمالًا نظريًا، وهو ما انعكس بوضوح على مستوى الجاهزية العسكرية خلال الفترة الأخيرة.