تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

في لحظة وطنية فارقة.. المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى وإعادة ترتيب أوراق حضرموت

في خضم مرحلة يمنية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية مع تصعيد عسكري متجدد من قبل مليشيات الحوثي الإرهابية، تبدو الحاجة إلى توحيد الموقف الوطني والمجتمعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، وفي هذا السياق تكتسب الجهود الجارية لتأسيس المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية أهمية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها محاولة لبناء إطار حضرمي جامع قادر على تنظيم التعدد، وتنسيق المواقف، وتعزيز حضور حضرموت في الاستحقاقات الوطنية المقبلة.

وتأتي اللجنة التحضيرية للمجلس، التي شُكلت بقرار من عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت الأستاذ سالم أحمد الخنبشي، استجابةً لحاجة متراكمة إلى إيجاد مظلة تجمع مختلف القوى والمكونات الحضرمية على قاعدة الحوار والشراكة والمسؤولية الوطنية، وقد حددت أهداف التشكيل في توحيد الصف، وتنسيق الجهود، وبناء رؤية حضرمية متوافق عليها، بما يحفظ هوية حضرموت ومكانتها ويعزز مشاركة أبنائها في صياغة مستقبل محافظتهم والاستحقاقات الوطنية.

من تعدد المكونات إلى وحدة الموقف

تكمن أهمية المجلس التنسيقي في أنه لا يقوم – في جوهر فكرته – على إلغاء التعدد السياسي أو الاجتماعي في حضرموت، وإنما على إدارة هذا التعدد ضمن إطار مؤسسي يحول دون تحوله إلى حالة من التباين المضعف للموقف الحضرمي، فحضرموت بما تمثله من ثقل جغرافي واقتصادي واجتماعي وسياسي، تحتاج في هذه المرحلة إلى صوت جامع لا يصادر أصوات مكوناتها، وإنما ينظمها في اتجاه واحد عندما يتعلق الأمر بالمصالح العليا للمحافظة، ويمنحها قدرة أكبر على الحوار والتفاوض والتأثير في الملفات الوطنية.

ومن هنا، فإن قيمة المجلس لا تقاس فقط بعدد القوى والمكونات المشاركة فيه، وإنما بقدرته على إنتاج رؤية سياسية ومجتمعية متوافق عليها، وعلى تحويل هذه الرؤية إلى مواقف عملية وخطاب متزن ومسؤول يحظى بقبول أوسع شريحة ممكنة من أبناء حضرموت.

التوقيت.. ما الذي يجعل الخطوة أكثر أهمية؟

تأتي هذه الجهود في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لليمن، مع استمرار الأزمة الوطنية وتعدد الملفات المفتوحة، وتصاعد التهديدات الأمنية والعسكرية التي تفرض على القوى الوطنية تعزيز التنسيق وعدم السماح للخلافات الداخلية بأن تتحول إلى عامل استنزاف إضافي، ومع التصعيد الحوثي الأخير وما يحمله من مخاطر على الأمن والاستقرار، تزداد أهمية وحدة الصف في المناطق المحررة، ليس باعتبارها موقفًا عسكريًا فحسب، وإنما باعتبارها موقفًا سياسيًا ومجتمعيًا يحمي مؤسسات الدولة ويعزز الجبهة الوطنية في مواجهة مشاريع العنف والفوضى.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح وجود إطار حضرمي منظم قادر على تنسيق المواقف وقراءة المتغيرات والتعامل معها بعيدًا عن ردود الفعل الآنية أمرًا ذا أهمية خاصة، فالمعادلة لا تتعلق فقط بكيفية التعامل مع حدث أمني أو سياسي عابر، وإنما بكيفية حماية مصالح حضرموت ضمن المشهد اليمني المتغير.

اللجنة التحضيرية.. اختبار الجدية قبل لحظة التأسيس

المرحلة التي تمر بها اللجنة التحضيرية تمثل الاختبار الحقيقي لفكرة العمل التشاركي ذاتها، وقد بدأت اللجنة بالفعل خطواتها التنظيمية من خلال عقد اجتماعاتها واستكمال الوثائق المنظمة للمجلس، في إطار التحضير للمؤتمر العام التأسيسي. ويشير هذا المسار إلى انتقال الفكرة من مستوى النقاش العام إلى مستوى البناء المؤسسي، وهو تحول مهم في مسار أي مشروع سياسي أو مجتمعي يسعى إلى الاستمرار والتأثير.

وتزداد أهمية هذه المرحلة في ضرورة أن تكون عملية التأسيس قائمة على أوسع قدر من التوافق، وأن تتسع للملاحظات والمقترحات، وأن تمنح مختلف المكونات شعورًا حقيقيًا بالشراكة في صناعة القرار، حتى يصبح المجلس عند تأسيسه تعبيرًا عن إرادة جماعية لا عن إرادة طرف واحد، وهنا تحديدًا تكمن مسؤولية اللجنة التحضيرية: أن تجعل من التوافق منهجًا، ومن الشراكة قاعدة، ومن العمل المؤسسي ضمانة للاستمرار.

حضرموت بحاجة إلى مظلة جامعة لا إلى ساحة جديدة للخلاف

أحد أبرز التحديات التي تواجه أي مشروع جامع هو قدرته على تجاوز الاستقطابات القائمة وعدم التحول إلى طرف جديد في معادلة الخلاف، ومن ثم فإن قوة المجلس التنسيقي المرتقب ستكون في كونه مساحة مشتركة تتسع للاختلاف المسؤول، وتبحث عن نقاط الالتقاء، وتقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

وهذا يتطلب أن تكون لغة المجلس هادئة ومتوازنة، وأن يبتعد عن المناكفات السياسية، وأن يؤكد باستمرار أن توحيد الموقف الحضرمي لا يعني إقصاء أحد، كما أن تعزيز حضور حضرموت لا يتعارض مع وحدة الصف الوطني، بل يمكن أن يكون أحد روافدها الأساسية.

فكلما نجحت حضرموت في ترتيب بيتها الداخلي، أصبحت أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها، وأكثر حضورًا في صناعة القرار، وأقدر على التعامل مع مختلف الاستحقاقات الوطنية من موقع الشراكة والمسؤولية.