تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

من بندقية التحرير في ابريل إلى طاولة التوافق في اغسطس.. حضرموت تستعد لمرحلة سياسية تاريخية قريبة

يحمل شهر أبريل في ذاكرة حضرموت دلالة خاصة؛ ففي الرابع والعشرين منه عام 2016، شهدت المحافظة واحدة من أبرز محطاتها الأمنية والعسكرية، مع انطلاق عملية تحرير ساحل حضرموت من تنظيم القاعدة.
وبعد عشرة أعوام، تستعد المحافظة لحدث مختلف في طبيعته، لكنه يرتبط هو الآخر بمحاولة ترتيب البيت الحضرمي من الداخل؛ إذ تقترب أعمال اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية من محطتها الأبرز، مع تحديد الحادي والثلاثين من أغسطس موعدًا لانعقاد المؤتمر العام التأسيسي في مدينة المكلا.
وبين التاريخين، تبدو الصورة مختلفة؛ فالمعركة هذه المرة ليست عسكرية، وإنما مسار طويل من النقاش السياسي والمجتمعي، ومحاولات لجمع مكونات متعددة حول رؤية مشتركة تجاه مستقبل حضرموت.


البداية من 7 أبريل.. فكرة تدخل مرحلة الاختبار


في السابع من أبريل الماضي، عُقد في مدينة المكلا لقاء مشترك خُصص لاستعراض مسودة مشروع تأسيس المجلس التنسيقي الأعلى، بحضور قيادة السلطة المحلية وأعضاء مجلسي النواب والشورى ومديري عموم المديريات وممثلي الأحزاب والمكونات السياسية والمجتمعية، إلى جانب ممثلين عن المرأة والشباب.


كان اللقاء بمثابة البداية العلنية لمسار جديد، يقوم على فكرة جمع القوى والمكونات الحضرمية في إطار تنسيقي واحد، مع التأكيد على أن المجلس المقترح لا يأتي بديلًا عن الأحزاب والمكونات، وإنما كإطار لتنسيق الرؤى والمواقف.
وبعد أقل من ثلاثة أشهر، انتقل المشروع من مرحلة النقاش إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، مع صدور قرار تشكيل اللجنة التحضيرية في الثاني من يوليو.


من القرار إلى العمل.. اللجنة تبدأ بناء الهيكل


مع تشكيل اللجنة التحضيرية، بدأت مرحلة أكثر كثافة من العمل، شملت إعداد الوثائق السياسية والتنظيمية، ووضع الهيكل العام للمجلس، وصياغة النظام الأساسي واللائحة التنظيمية، إلى جانب إعداد الرؤية الحضرمية والمشروع السياسي وميثاق الشرف.


وخلال اجتماعاتها المتتالية، ناقشت اللجنة هذه الوثائق وأحالت بعضها إلى لجان متخصصة لدراسة الملاحظات وإعداد الصياغات النهائية.


كما أقرت محددات للخطاب والرسالة الإعلامية خلال المرحلة التحضيرية، في محاولة لتوحيد الرسائل الصادرة عن اللجنة وتنظيم حضورها الإعلامي.


النزول إلى المديريات.. اختبار التمثيل


لم يتوقف العمل عند إعداد الوثائق داخل قاعات الاجتماعات، إذ انتقل أعضاء اللجنة التحضيرية إلى المديريات، بهدف استكمال الترتيبات الخاصة بالمؤتمر العام التأسيسي والتواصل مع السلطات المحلية والشخصيات الاجتماعية ومختلف الفئات.


وشملت التحركات مناطق ساحل حضرموت وهضبتها وواديها وصحرائها، ورافقها لقاءات تشاورية وورش تعريفية، من بينها ورشتان لقادة الرأي الشباب في المكلا وسيئون.
وكانت مسألة اختيار ممثلي المديريات واحدة من أبرز الملفات التي حظيت بالنقاش، في ظل التأكيد على الالتزام بمعايير وضوابط تضمن مشاركة أوسع وتمثيلًا متوازنًا لمختلف المناطق والشرائح.


الشباب والمرأة والمجتمع.. توسيع دائرة النقاش


في ورش المكلا وسيئون، لم يقتصر النقاش على التعريف بالمجلس، بل امتد إلى الاستماع لأسئلة المشاركين وملاحظاتهم حول طبيعة المشروع وآليات عمله..وشارك في هذه اللقاءات شباب وإعلاميون وسياسيون وقادة رأي، إلى جانب حضور المرأة وممثلين عن المجتمع المدني.


وتعكس هذه اللقاءات محاولة اللجنة توسيع دائرة النقاش خارج الأطر السياسية التقليدية، وإشراك شرائح ترى اللجنة أن حضورها سيكون جزءًا من عملية التأسيس.


الخلاف داخل اللجنة.. هل ينجح الحوار في إدارة التباين؟


لم تخلُ المرحلة التأسيسية من اختلافات داخل اللجنة نفسها،
وكان قرار اللواء الركن أحمد سعيد بن بريك تعليق عضويته في اللجنة، ثم عودته بعد اتصالات ومناقشة الملاحظات التي طرحها، إحدى أبرز المحطات التي كشفت طبيعة التباينات التي يمكن أن ترافق مشروعًا يضم شخصيات وتوجهات متعددة،
عودة بن بريك إلى اللجنة جاءت، وفق ما أعلنه، بعد تأكيد عضو مجلس القيادة الرئاسي-محافظ حضرموت سالم الخنبشي استيعاب الملاحظات بمعية اللجنة والعمل على تصحيح مسار اللجنة، بما يحافظ على الشراكة والتوافق.
وبعيدًا عن تفاصيل الخلاف، تعكس هذه الواقعة أحد الاختبارات المبكرة للمشروع: هل يستطيع إطار يضم هذا العدد والتنوع من الشخصيات إدارة الاختلاف من داخله دون أن يتحول إلى انقسام.


ماذا يريد المواطن؟
بعيدًا عن الاجتماعات والوثائق، يظل السؤال الأهم مرتبطًا بما ينتظره المواطن من المجلس الجديد. 

وفي استطلاع ميداني، عبّر المواطن أحمد باوزير من ابناء مدينة المكلا عن أمله في أن يتحول المجلس إلى صوت ينقل مطالب المواطنين، خصوصًا في الملفات الخدمية، قائلًا:
«نحن نريد من المجلس أن يكون صوتًا حقيقيًا للناس، وأن ينقل مطالبهم بوضوح، وألا يبقى عمله محصورًا في الاجتماعات واللقاءات».
من جانبه، يرى عوض العكبري، من ابناء أرياف مدينة المكلا، أن أهمية المشروع تكمن في قدرته على جمع أبناء المحافظة، موضحًا أن تعدد المكونات أضعف في أوقات كثيرة القدرة على تقديم موقف حضرمي موحّد.
ويضيف أن ما تابعه من لقاءات وتحركات خلال الفترة الماضية يعطي انطباعًا إيجابيًا، لكنه يرى أن الأهم هو استمرار هذا المسار بعد التأسيس.
أما عمرو العليي الحمومي، المنحدر من إحدى مناطق الامتياز النفطي في هضبة حضرموت، فيضع الخدمات والحقوق المحلية في مقدمة ما ينتظره من المجلس.
ويقول إن أبناء تلك المناطق يريدون أن يروا نتائج ملموسة، وأن يعرفوا كيف سينعكس المشروع على قضايا حضرموت ومصالح أبنائها، خصوصًا بعد سنوات من تعدد المكونات دون الوصول إلى موقف موحد.


من التأييد إلى الانتظار.. الشارع يريد نتائج


تكشف الآراء الثلاثة، رغم اختلاف زواياها، عن نقطة مشتركة: الترحيب بفكرة توحيد الرؤى، مقابل انتظار نتائج عملية.
فالمواطن الذي يواجه أزمات الخدمات لا ينظر إلى المجلس من زاوية تركيبته السياسية فقط، وإنما من خلال ما إذا كان قادرًا على إيصال مطالبه والدفاع عنها.
وفي المقابل، فإن نجاح مشروع بهذا الحجم يتطلب، إلى جانب القبول المجتمعي، قدرة على الحفاظ على التوازن بين مختلف القوى والمناطق والفئات، وعدم تحويل المجلس إلى ساحة جديدة للخلافات.


31 أغسطس.. موعد الانتقال من التحضير إلى التأسيس


في الثاني عشر من أغسطس، أقرت اللجنة التحضيرية موعد الحادي والثلاثين من الشهر ذاته لانعقاد المؤتمر العام التأسيسي في المكلا، بعد استعراض نتائج النزولات واللقاءات التشاورية التي شهدتها مختلف مناطق حضرموت.
وناقشت اللجنة خلال اجتماعها الخامس حصيلة التواصل مع المديرين العامين للمديريات، والنتائج والملاحظات المتعلقة باختيار المشاركين في المؤتمر، إلى جانب استكمال الترتيبات التنظيمية والسياسية.
وبذلك، يدخل المشروع أيامه الأخيرة قبل المؤتمر، بعد سلسلة من الاجتماعات واللقاءات والورش التي استهدفت الوصول إلى قائمة مشاركين ووثائق تحظى بأكبر قدر ممكن من التوافق.


الولادة ليست نهاية الطريق


ومع اقتراب موعد المؤتمر العام التأسيسي، تنتقل المسؤولية من اللجنة التحضيرية إلى المجلس الذي سيخرج عن المؤتمر، إذا اكتملت إجراءات التأسيس وفق المخطط المعلن.


وهنا تبدأ مرحلة مختلفة؛ فالمطلوب لن يكون فقط الحفاظ على التوافق الذي رافق عملية التأسيس، وإنما تحويله إلى آليات عمل واضحة، ومواقف سياسية، وقنوات تواصل مع المجتمع، وقدرة على التعامل مع الملفات التي تشغل أبناء حضرموت.
كما سيواجه المجلس تحدي إثبات أن تعدد مكوناته يمكن أن يكون عامل قوة، وأن الشراكة بين القوى المختلفة يمكن أن تنتج موقفًا حضرميًا أكثر تنظيمًا في الاستحقاقات المقبلة.


من 24 أبريل إلى 31 أغسطس.. مساران مختلفان وهدف واحد


قبل عشرة أعوام، ارتبط الرابع والعشرون من أبريل بحدث عسكري أنهى وجود تنظيمات إرهابية في ساحل حضرموت، وفتح مرحلة جديدة في المشهد الأمني بالمحافظة.


أما اليوم، فتقف حضرموت أمام موعد آخر في الحادي والثلاثين من أغسطس، موعد المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الأعلى، في مسار مختلف أدواته وأهدافه.. وبين التاريخين، تبقى قيمة التجربة الجديدة مرتبطة بما ستنتجه من توافقات وما ستقدمه من عمل مؤسسي بعد التأسيس.


فالمجلس وفقًا لمراقبون ومحلليين سياسيين أمام فرصة لتوحيد جزء من المشهد الحضرمي، لكنه في الوقت ذاته أمام مسؤولية أكبر: أن يحول التوافق الذي بُني خلال مرحلة التأسيس إلى ممارسة سياسية ومجتمعية قابلة للاستمرار، وأن يثبت أن شعار «حضرموت أولًا» يمكن أن يكون قاعدة للعمل، لا مجرد عنوان للمرحلة.