«مرافئ» و«خفايا المعايين والحصون».. الأدب يستعيد حضرموت بين السرد وذاكرة المكان
في حضرموت، لا يبدو الكتاب صفحات تُقرأ، وإنما هي ذاكرة تتكئ على الورق كي لا يطويها النسيان، ومن هذا المعنى جاءت فعالية إشهار وتوقيع المجموعة القصصية الثانية «مرافئ» وكتاب «خفايا المعايين والحصون»، التي نظمها مكتب وزارة الثقافة بساحل حضرموت بالتعاون مع صندوق دعم التراث والتنمية الثقافية، في لقاء جمع الأدب بالتراث، واستعاد من خلال الكلمة شيئًا من ملامح المكان والإنسان.
مناسبة احتفالًا ومساحة للحوار حول تجربتين تلتقيان عند الكتابة، وتختلفان في أدوات الاقتراب من حضرموت؛ فبين السرد الأدبي وما يفتحه من عوالم إنسانية، والبحث في تفاصيل المعالم والحصون وما تختزنه من دلالات تاريخية، بدت الفعالية وكأنها محاولة لقراءة المكان من أكثر من نافذة.
خلال جلسة حوارية، تحدث مؤلفا العملين عن تجربتهما الإبداعية، والمراحل التي رافقت إنتاج الكتابين، وما حملته صفحاتهما من مضامين وأفكار، وكان الحوار مناسبة للوقوف عند علاقة الكاتب ببيئته، وكيف يمكن للأدب أن يلتقط تفاصيل الحياة اليومية، فيما يسهم التوثيق في حفظ معالم وذاكرة أماكن قد تتعرض مع مرور الزمن للنسيان أو التهميش.
الكتاب بوصفه ذاكرة
في مجتمع يمتلك رصيدًا كبيرًا من الحكايات والمعالم والشخصيات، تكتسب الكتابة عن حضرموت بعدًا يتجاوز الجانب الإبداعي؛ إذ تتحول إلى وسيلة لحفظ الذاكرة المحلية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، ومن هنا تبرز أهمية الأعمال التي تتناول الأدب والتراث، باعتبارها جزءًا من مشروع ثقافي أوسع، يقوم على صون الموروث وإعادة قراءته بلغة معاصرة، وربط الأجيال الجديدة بمصادر هويتها الثقافية، بعيدًا عن أن تبقى تلك الذاكرة حبيسة الرواية الشفوية أو الصور القديمة.
الحضور اللافت للكتاب والمثقفين والمهتمين بالأدب والثقافة أضفى على المناسبة طابعًا تفاعليًا، فتحول حفل التوقيع إلى منصة للنقاش وتبادل الآراء حول واقع المشهد الثقافي، وحاجة المبدعين إلى مزيد من المساحات التي تتيح لهم تقديم أعمالهم والوصول إلى جمهور أوسع.
من الاحتفاء إلى الحراك الثقافي
الفعالية تأتي في سياق الحاجة إلى تنشيط المشهد الثقافي في حضرموت، من خلال تشجيع الإصدارات الأدبية، والاحتفاء بالمؤلفين، وفتح المجال أمام القراء والمهتمين للالتقاء بأصحاب التجارب الإبداعية ومناقشة أعمالهم بصورة مباشرة، فالمشهد الثقافي لا يصنعه الكتاب وحده، كما لا تصنعه الفعاليات منفردة، وإنما ينمو من تفاعل الكاتب مع القارئ، والمؤسسة مع المبدع، والذاكرة مع الحاضر. وكلما اتسعت هذه المساحات، أصبح الكتاب أكثر حضورًا في الحياة العامة، وتحولت الثقافة من نشاط موسمي إلى فعل مستمر.
وفي هذا السياق، يمثل إشهار «مرافئ» و«خفايا المعايين والحصون» محطة جديدة للاحتفاء بالكلمة والكتاب، وفرصة لإعادة التأكيد على أن الثقافة الحضرمية ليست ماضيًا محفوظًا في الكتب، وإنما مادة حية قابلة للقراءة وإعادة الاكتشاف.
وبين مرافئ السرد وخفايا المكان، حملت الفعالية رسالة أبعد من توقيع كتابين؛ مفادها أن حضرموت ما تزال تمتلك الكثير مما يمكن أن يُكتب ويُروى، وأن حماية ذاكرتها لا تكون بالحفاظ على الحجر وحده، بل أيضًا بصون الحكاية، وتوثيقها، ومنحها مساحة في كتاب يصل إلى قارئ اليوم وأجيال الغد.