قرارات فردية تضرب مبدأ الشراكة وتعديلات حكومية تكشف اختلالًا خطيرًا في إدارة مجلس القيادة الرئاسي
لم يعد الجدل الدائر حول التعديل الوزاري الأخير مجرد اختلاف سياسي عابر، بل تحول إلى مؤشر واضح على أزمة عميقة في طريقة إدارة القرار داخل مجلس القيادة الرئاسي، برئاسة رشاد محمد العليمي، وسط اتهامات متصاعدة بتكريس نهج فردي يتناقض مع الأسس التي قام عليها المجلس.
قرار رسمي وخلافات غير معلنة
صدر قرار جمهوري بإجراء تعديل وزاري محدود في حكومة الدكتور شائع محسن الزنداني، قضى بتعيين بدر باسلمة وزيرًا للتخطيط والتعاون الدولي، وافراح الزوبة وزيرًا للخارجية وشؤون المغتربين، وعهد جعسوس وزيرًا للإدارة المحلية.. ورغم أن الصيغة الرسمية أكدت صدور القرار بناءً على موافقة مجلس القيادة الرئاسي، إلا أن المعطيات المتداولة على الأرض تعكس صورة مغايرة، تشير إلى أن هذه التعيينات لم تكن محل توافق حقيقي داخل المجلس.
مصادر مطلعة أكدت أن القرار لم يكن محل توافق حقيقي، بل جاء في ظل اعتراضات داخلية، ما أدى إلى تأخير أداء اليمين الدستورية، وهو تطور يعكس حجم الخلافات التي حاولت الصيغة الرسمية إخفاءها.
تمرير القرارات بالقوة السياسية
المعطيات المتداولة تشير بوضوح إلى أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اتجه إلى فرض التعديل الوزاري مستغلًا انشغال بقية الأعضاء بملفات عسكرية وسياسية ملحة، وعلى رأسها معركة استعادة الدولة، وهذا السلوك لا يمكن تفسيره إلا باعتباره تجاوزًا صريحًا لمبدأ الشراكة، ومحاولة لفرض إرادة فردية داخل كيان يفترض أنه جماعي.
الأخطر أن الحديث عن توافق لاحق لا يعكس إلا عملية احتواء للأزمة بعد وقوعها، وليس توافقًا حقيقيًا قبل اتخاذ القرار، وهو ما يفرغ مفهوم القيادة الجماعية من مضمونه.
تناقض صارخ مع الالتزامات الرسمية
في 18 سبتمبر 2025، أكد مجلس القيادة الرئاسي في بيان رسمي التزامه الصريح بمبدأ الشراكة والتوافق، ونص بوضوح على رفض أي قرارات فردية، مع تشكيل فريق قانوني لمراجعة كل القرارات المخالفة منذ 2022 خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا.
لكن ما يحدث اليوم يكشف تناقضًا فاضحًا بين النصوص والواقع، حيث تستمر القرارات المثيرة للجدل، دون أي مؤشرات على احترام تلك الضوابط أو حتى الالتزام بها شكليًا.
فشل مؤسسي واستخفاف بالالتزامات
ما يثير القلق ليس فقط تمرير قرارات دون توافق، بل الاستهتار الواضح بمخرجات المجلس نفسه.. فالمهلة المحددة بـ90 يومًا لمراجعة القرارات المخالفة لم تُحترم، ولم يتم تمديدها رسميًا، بل تم تجاهلها بالكامل.. واليوم، وبعد مرور أكثر من 270 يومًا، لا توجد أي نتائج معلنة، ولا تقارير، ولا حتى توضيحات للرأي العام، وهو ما يكشف عن خلل مؤسسي عميق يتجاوز مجرد التأخير إلى مستوى التعطيل الفعلي.
فالمؤشرات تدل على وجود تعطيل متعمد أو فشل واضح في أداء اللجنة القانونية، الأمر الذي أفقدها أي قيمة عملية، وحوّلها إلى كيان شكلي بلا تأثير حقيقي في ضبط القرارات أو مراجعتها.. وفي المقابل، تستمر عملية إصدار قرارات جديدة رغم عدم حسم قانونية القرارات السابقة، في مشهد يعكس حالة من العبث الإداري والسياسي، ويؤكد غياب الترتيب المنطقي في إدارة مؤسسات الدولة.
الأخطر من ذلك، أن هذا المسار يكرّس تدريجيًا نمط حكم فردي داخل مجلس يفترض أنه قائم على التوافق والشراكة، في مخالفة صريحة لمرجعيات إنشائه، وتقويض مباشر لفكرة القيادة الجماعية التي أُسس عليها.. لذا فإن هذا الوضع لا يمكن اعتباره مجرد خلل إجرائي، بل يمثل تراجعًا خطيرًا عن فكرة مجلس القيادة نفسها، وتحويلها إلى واجهة شكلية لقرارات تُتخذ خارج إطارها الحقيقي.
انعكاسات خطيرة على تماسك المجلس
إن استمرار هذا النهج ينذر بتفكك داخلي متزايد داخل مجلس القيادة الرئاسي، ويضعف الثقة بين أعضائه، ويبعث برسائل سلبية للشارع والقوى السياسية، مفادها أن المجلس غير قادر على إدارة نفسه، فضلًا عن إدارة الدولة.. كما أن تكرار مثل هذه التجاوزات يفتح الباب أمام أزمات أكبر، قد تصل إلى تعطيل مؤسسات الدولة، أو خلق مراكز قرار متضاربة داخل السلطة الشرعية.
إدارة فردية للقرار
ما جرى في التعديل الوزاري الأخير ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة من الممارسات التي تعكس انحرافًا عن مبدأ الشراكة، وتحولًا تدريجيًا نحو إدارة فردية للقرار.
وفي ظل التحديات التي تواجه اليمن، فإن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط تماسك مجلس القيادة الرئاسي، بل يضعف ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة، ويجعل من شعارات التوافق والقيادة الجماعية مجرد عناوين بلا مضمون.