تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

حضرموت من مؤتمر الشحر إلى المجلس التنسيقي: محطات في طريق الشراكة

تواصل حضرموت مسيرتها بخطى ثابتة نحو توحيد الرؤى وجمع الصف الحضرمي، من خلال جلسات اللجنة التحضيرية لـ «المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعيةالحضرمية»، الذي أُعلن عن تشكيل لجنته التحضيرية في الثاني من يوليو 2026م، برئاسة الأستاذ سالم أحمد الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ  حضرموت.

ولم تكن هذه المحاولة الأولى للحضارم من أجل توحيد كلمتهم وجمع قواهم، بل هي امتداد لمسيرة طويلة من المبادرات والمحطات التي سعى من خلالها أبناء حضرموت إلى تجاوز خلافاتهم، والبحث عن نقاط التوافق والمصلحة العامة.
وتعود جذور هذه المساعي إلى عام 1936م، حين انعقد «مؤتمر الشحر الأول»، الذي شكّل محطة تاريخية وسياسية مهمة، وسعى الحضارم من خلاله إلى الحد من النزاعات التي كانت تؤثر في تماسك المجتمع. وقد أسهم المؤتمر في فتح صفحة جديدة اتسمت بقدر أكبر من التوافق والاستقرار.

ثم جاءت محطة أخرى في عام 2011م، مع بداية الاضطرابات السياسية التي شهدها اليمن، حيث أدرك أبناء حضرموت أهمية توحيد الصف والنأي بالمحافظة عن الصراعات التي عصفت بالبلاد. وفي تلك الظروف، اجتمعت القوى الحضرمية بمختلف توجهاتها ووقعت على «وثيقة حضرموت: الرؤية والمسار»، التي أسهمت في تعزيز التقارب بين أبناء الساحل والوادي، وعبّرت عن رفض التهميش والإقصاء والوصاية، وأكدت حق حضرموت في إدارة شؤونها، والمشاركة العادلة في العملية السياسية ومراكز صنع القرار، والاستفادة من مواردها، بما يحقق تطلعات أبنائها. ومع تراجع مؤسسات الدولة وتفاقم الأوضاع في عام 2015م، ازدادت الحاجة إلى توحيد الموقف الحضرمي، فكان انعقاد «مؤتمر حضرموت الجامع»  إبريل 2017م، الذي مثّل محطة بارزة في تاريخ حضرموت المعاصر، لما حظي به من حضور وتوافق سياسي ومجتمعي واسع. وقد خرج المؤتمر بجملة من الرؤى والتوافقات في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والخدمية، وأصبحت وثائقه من المرجعيات المهمة التي يُستند إليها في مناقشة مستقبل حضرموت وقضاياها. وفي عام 2023م، تجددت جهود توحيد الصف من خلال تأسيس «مجلس حضرموت الوطني»، ليكون محطة جديدة في مسار العمل السياسي الحضرمي، ويعكس استمرار السعي إلى تنسيق الجهود وتوحيد المواقف بما يخدم مصالح المحافظة وأبناءها.

واليوم، وفي امتداد لهذا المسار التاريخي، تتجدد الجهود من خلال «الإطار التنسيقي للقوى والمكونات الحضرمية»، في محاولة جديدة لجمع مختلف القوى والمكونات والشخصيات الحضرمية حول رؤية مشتركة، والعمل على بناء موقف موحد تجاه قضايا المحافظة ومستقبلها. وفي تقديري، فإن نجاح هذه التجربة يتطلب توفير الظروف المناسبة، وتعزيز التوافق الداخلي، والاستفادة من الدعم الإقليمي، والأهم من ذلك كله البناء على ما تحقق من توافقات ووثائق ومبادرات سابقة، بدلًا من البدء من نقطة الصفر في كل مرة.

إن المرحلة الراهنة تفرض على مختلف القوى والشخصيات والمكونات الاجتماعية والسياسية في حضرموت تجاوز الخلافات، والبحث عن القواسم المشتركة، والعمل بروح المسؤولية الوطنية، بما يحقق تطلعات أبناء المحافظة ويحفظ حقوقها ومصالحها. فحضرموت، بما تملكه من تاريخ وتجربة وإمكانات، قادرة على تقديم نموذج رائد في العمل السياسي المدني القائم على الشراكة والتوافق، إذا ما نجح أبناؤها في توحيد صفوفهم وتغليب المصلحة العامة. 

وفي هذه المرحلة الاستثنائية، لا تملك حضرموت ترف إضاعة المزيد من الوقت؛ فالنجاح في توحيد الصف وبناء الشراكة هو مسؤولية الجميع، وهو الطريق الأقدر على حماية مصالح حضرموت وصناعة مستقبل أفضل لأبنائها.