التفاوض باسم حضرموت... ما الذي يجب أن يكون على الطاولة؟
في السياسة، لا تكفي أن تكون حاضرًا على طاولة المفاوضات؛ الأهم هو أن تعرف لماذا حضرت، وماذا تريد، وما الذي تستطيع تحقيقه، وما الذي لا ينبغي أن تقبل بالتنازل عنه.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا في حضرموت ليس فقط: من سيمثلنا في أي حوار أو تسوية سياسية قادمة؟
بل السؤال الأهم:
بأي مشروع سيدخل ممثل حضرموت إلى طاولة التفاوض؟
هل سيدخل حاملًا مطالب عامة يمكن تأجيلها أو تجاوزها؟ أم سيدخل برؤية واضحة، وأولويات محددة، وملفات مدروسة، ومطالب يمكن قياس نتائجها ومحاسبة المسؤولين عنها؟
هذا هو الفارق بين المشاركة السياسية وصناعة التأثير.
في العلاقات الدولية، لا تُقاس نتائج التفاوض بعدد الاجتماعات التي عُقدت، ولا بعدد الصور التي نُشرت، ولا حتى بحجم الوعود التي قُدّمت؛ بل بما يتحول منها إلى التزامات واضحة، وما ينعكس على مصالح الطرف الذي دخل التفاوض باسمه.
وحضرموت ليست استثناءً من هذه القاعدة.
فإذا كانت حضرموت تمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا، وموارد اقتصادية، وساحلًا واسعًا، ومقومات بشرية وتجارية، فإن السؤال هو: كيف تتحول هذه العناصر إلى حقوق ومصالح واتفاقات قابلة للتنفيذ؟
أولًا: الموارد والحقوق الاقتصادية.
لا ينبغي أن يختزل الملف الاقتصادي في الحديث عن نسبة من عائدات النفط، مهما كانت أهمية هذا الملف.
المطلوب رؤية واضحة لإدارة الموارد، وشفافية الإيرادات والمصروفات، وضمانات لتوجيه حصة عادلة من العوائد إلى التنمية والخدمات والبنية التحتية، إلى جانب بناء اقتصاد متنوع لا يبقى رهينة مورد واحد.
فالحق الذي لا تحدد آلية تنفيذه، ولا الجهة المسؤولة عنه، ولا موعد استحقاقه، قد يبقى وعدًا يتكرر في كل مرحلة.
ثانيًا: الصلاحيات والإدارة المحلية.
ما مساحة القرار الذي ينبغي أن تمتلكه المؤسسات المحلية في إدارة شؤون حضرموت؟
وما الصلاحيات التي تحتاج إليها لتحسين الخدمات، وتنفيذ المشاريع، وجذب الاستثمارات، وإدارة الموارد وفق القانون؟
لا يكفي أن نطالب بإدارة أفضل، بل ينبغي أن نحدد الصلاحيات والمسؤوليات والموارد المالية اللازمة لها، وآليات الرقابة والمساءلة التي تمنع تحول الصلاحيات إلى امتيازات بلا محاسبة.
ثالثًا: التمثيل السياسي.
حضرموت ليست اسمًا يُضاف إلى بيان سياسي، ولا مقعدًا يُمنح لشخص ثم يُعتبر الأمر منتهيًا.
التمثيل الحقيقي يجب أن يعكس مصالح المجتمع وتنوعه، وأن يستند إلى معايير معلنة، وأن تكون للجهة الممثلة رؤية واضحة وتفويض مفهوم وحدود معروفة لمسؤولياتها.
ولا يعني ذلك أن نتفق جميعًا على كل التفاصيل السياسية، بل أن نتفق على الحد الأدنى من المصالح الحضرمية التي لا يجوز أن تضيع وسط الخلافات.
رابعًا: الأمن والاستقرار.
لا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار مستدامًا دون مؤسسات قادرة وقانون يُطبق على الجميع.
ولهذا يجب أن يكون أمن حضرموت واستقرارها وحماية مصالح أبنائها جزءًا أصيلًا من أي تصور سياسي، مع وضوح المسؤوليات والصلاحيات، واحترام القانون، وعدم تحويل الملف الأمني إلى أداة للتنافس السياسي.
خامسًا: الإنسان الحضرمي.
أي تسوية لا تنعكس على حياة المواطن ستظل ناقصة، مهما بدت ناجحة على الورق.
نحتاج إلى معايير عادلة في التوظيف، وفرص حقيقية للشباب، وتعليم يرتبط باحتياجات المستقبل، وتأهيل للكفاءات، وتحسين للخدمات الأساسية، وبيئة تسمح لأبناء حضرموت بالمشاركة في إدارة شؤونهم وفق الكفاءة والاستحقاق.
فالقضية ليست من يحصل على المنصب، بل ماذا يتغير في حياة الناس بعد حصوله عليه.
لكن هناك نقطة لا تقل أهمية عن الملفات نفسها:
من يحدد أولويات التفاوض؟ ومن يراقب نتائجه؟
لا يمكن أن ننتظر من المواطن أن يثق بأي مسار سياسي لمجرد أن اسم حضرموت حاضر فيه.
الثقة تُبنى عندما تكون المطالب معلنة، والأهداف مفهومة، والنتائج قابلة للقياس، وعندما يعرف الناس ما تحقق وما تعثر ولماذا.
ومن هنا، أقترح أن يكون لأي فريق يتفاوض باسم حضرموت إطار واضح يتضمن:
• أهدافًا معلنة: ما الذي نريد تحقيقه تحديدًا؟
• أولويات مرتبة: ما الذي لا يحتمل التأجيل، وما الذي يمكن التفاوض حول توقيته وآلياته؟
• ملفات مدروسة: أرقام وبيانات ومقترحات قانونية واقتصادية، لا شعارات فقط.
• تفويضًا واضحًا: من يملك اتخاذ القرار، وما حدود هذا التفويض؟
• آلية للمساءلة: كيف تُعرض النتائج على المجتمع، وكيف تُراجع الالتزامات؟
هذه ليست تعقيدات إدارية، بل أدوات لحماية المصالح.
وأريد هنا أن أوضح أمرًا مهمًا: ليس المطلوب أن تدخل حضرموت في مواجهة مع بقية الأطراف، أو أن تتعامل مع كل تسوية باعتبارها معركة صفرية.
بل المطلوب أن تدخل أي شراكة سياسية بعقلية تعرف مصالحها، وتحترم مصالح الآخرين، وتبحث عن اتفاقات متوازنة، لكنها لا تخلط بين المرونة والتفريط، ولا بين التوافق والتنازل عن الحقوق.
فالسياسة ليست فن الحصول على كل شيء، بل فن حماية المصالح الأساسية وتحقيق الممكن دون التفريط في المستقبل.
وهنا يأتي دور النخب الحضرمية.
النخبة لا تُقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى الاجتماعات، بل بقدرتها على إعداد الملفات، وقراءة موازين القوى، وصياغة البدائل، وفهم القانون والاقتصاد، والتفاوض على أساس معلومات لا انطباعات.
حضرموت بحاجة إلى أن تنتقل من مرحلة البحث عن ممثلين يتحدثون عنها إلى بناء قدرة مؤسسية تستطيع أن تفاوض من أجلها.
فالأشخاص يتغيرون، والمكونات قد تتبدل، والتحالفات تتشكل ثم تتغير؛ أما المصالح الأساسية لحضرموت فيجب ألا تتغير بتغير الأشخاص والتحالفات.
وهنا أعود إلى السؤال الذي أراه جوهريًا:
إذا انتهى أي حوار سياسي غدًا، فما الذي يجب أن تكون حضرموت قد حققته حتى نقول إن مشاركتها كانت ناجحة؟
هل يكفي أن تكون حاضرة؟
هل يكفي أن تحصل على وعود؟
أم أن النجاح يجب أن يُقاس بما تحقق من صلاحيات واضحة، وحقوق اقتصادية قابلة للتنفيذ، وتمثيل مؤثر، وضمانات مؤسسية، وتحسن ملموس في حياة المواطنين؟
بالنسبة لي، الإجابة واضحة.
لا أريد لحضرموت أن تدخل المفاوضات لمجرد إثبات حضورها، ولا أن تخرج منها بمجرد إثبات أن ممثليها كانوا هناك.
أريد أن تدخل وهي تعرف ماذا تريد، وأن تخرج بما يمكن قياسه ومتابعة تنفيذه.
لأن حضرموت ليست مجرد ملف على طاولة التفاوض؛ إنها مجتمع له مصالح، وأجيال لها مستقبل، وموارد ينبغي أن تتحول إلى تنمية، وإنسان يستحق أن يرى أثر السياسة في حياته.
ولذلك فإن المعيار الحقيقي لأي مكوّن أو شخصية أو فريق يتولى تمثيل حضرموت ليس حجم حضوره الإعلامي، بل ما يستطيع تحقيقه من مصالح ملموسة لأبنائها.
حضرموت أولًا...
ليست أن نرفض التفاوض، ولا أن نخاصم الآخرين، بل أن نعرف ماذا نريد قبل أن نجلس إلى الطاولة، وأن نمتلك من الرؤية والمؤسسات والكفاءة ما يجعل مشاركتنا مؤثرة.
ففي النهاية، السؤال ليس: هل جلست حضرموت إلى طاولة التفاوض؟
السؤال هو: عندما نهضت من الطاولة، ماذا أصبح أفضل لأهل حضرموت؟