تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

ميناء الشحر.. شريان الحياة الذي يخنقه الرئاسي بمؤامرة الإغلاق وتجويع حضرموت

بينما ينتظر المواطن في حضرموت قرارات تُنعش آماله بانتشال الاقتصاد المتهالك، جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، ومن أعلى هرم السلطة. في خطوة وصفها مراقبون بـ "المؤامرة المكتملة الأركان"، يواجه ميناء الشحر التاريخي، هذا الشريان الذي ضخ الحياة في جسد المحافظة خلال السنوات الأخيرة، استهدافاً مباشراً من قبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الذي وجه بإغلاق الميناء تحت ذريعة فضفاضة وجاهزة دائماً: "مكافحة التهريب".

الخنجر في الظهر: ذريعة التهريب لضرب الإيرادات

تأتي توجهات العليمي في وقت يشهد فيه ميناء الشحر طفرة تجارية غير مسبوقة، حيث تحول من مجرد ميناء صيد تقليدي إلى مركز حيوي لاستيراد السيارات والبضائع، رافداً خزينة الدولة بمليارات الريالات من الإيرادات الجمركية والضريبية.

ويرى مراقبون أن "فزاعة التهريب" ليست إلا غطاءً سياسياً يهدف إلى تضييق الخناق على حضرموت، ونقل النشاط التجاري إلى موانئ أخرى تخدم أجندات معينة، أو لإخضاع المحافظة اقتصادياً. فالميناء الذي يخضع لإشراف مؤسسة موانئ البحر العربي وقوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية، يطبق إجراءات جمركية صارمة، مما يجعل حجة التهريب كلمة حق أريد بها باطل.

أفواه جائعة وأحلام معلقة: وجع الإنسان في الشحر

خلف الجدران الإسمنتية للميناء، لا تُقاس الخسارة بالأرقام فقط، بل بدموع الآباء وعرق الشباب.. هنا، كان الميناء يمثل طوق نجاة لآلاف الأسر التي وجدت في أرصفته ملاذاً من غول البطالة.

تخيل ذلك الأب الذي كان يعود في المساء يحمل كيس دقيق وفاكهة اشتراها من يومية جناها من تفريغ شحنة سيارات، أو ذلك الشاب الخريج الذي استبدل شهادته الجامعية المركونة بـ عربة يد أو فرصة عمل في التخليص الجمركي ليستر حال أهله.. إغلاق الميناء ليس مجرد قرار إداري؛ إنه صرخة في وجه كل حمال كان يرى في رافعات الميناء أملاً، وفي حركة السفن الخشبية رزقاً حلالاً.

بجرة قلم واحدة، تحولت ساحات الميناء التي كانت تضج بالحياة إلى قفار صامتة، وتحول العمال إلى طوابير من المنكسرين أمام مخابز الدين، يبحثون عن إجابة لسؤال أطفالهم: "لماذا سيتوقف الميناء يا أبي؟". إنها قسوة السلطة حين ترى في لقمة عيش الفقير خطراً أمنياً، بينما تغض الطرف عن لصوص الكراسي.

رفد الخزينة أم استنزافها؟

لقد نجح ميناء الشحر في فتح سوق جديدة ومنافسة لاستيراد السيارات، مما جعل أسعارها في متناول فئات أوسع، وبدد احتكار الموانئ الأخرى.. والأهم من ذلك، أن الميناء أثبت كفاءة عالية في تحصيل الإيرادات التي كانت تذهب مباشرة لدعم الخدمات الأساسية في المحافظة.

الاستهداف الحالي لا يضرب حضرموت فحسب، بل يقطع وريداً مالياً هاماً عن الدولة التي تدعي القيادة أنها تسعى لإنقاذها من الانهيار.

سخرية القدر في زمن الرئاسي

وفي ختام هذا المشهد العبثي، لا يسعنا إلا أن نتساءل بمرارة: كيف لرئيس مجلس القيادة، الذي يرى البلاد تغرق في ظلام الانهيار الاقتصادي، أن يتفتق ذهنه عن قرار إغلاق ميناء منتج وجالب للإيرادات كميناء الشحر، بدلاً من أن يوجه بـ استئناف تصدير النفط من ميناء الضبة القابع على بعد كيلومترات قليلة؟

هل أصبح من السهل على شرعيتنا الموقرة خنق الموانئ الصغيرة التي تعيل المساكين، بينما تعجز عن حماية وحلحلة ملف تصدير النفط الذي يمثل عماد موازنة الدولة؟

يبدو أن الحكمة السياسية في هذه المرحلة اقتضت أن نقطع اليد التي تطعم الجياع، ونترك الرأس الذي ينزف المليارات.. أليس هذا هو قمة الإنجاز الاقتصادي في زمن العجائب؟