نجم البلدة ..استراتيجية جديدة لمكتب السياحة لتوسيع الاستفادة من الموسم السياحي الأضخم في اليمن
في منتصف يوليو من كل عام، تتحول سواحل حضرموت إلى واجهة سياحية لا تشبه أي مشهد آخر في اليمن. ظاهرة فلكية وبحرية فريدة، تُعرف بموسم نجم البلدة، تنشط فيها تيارات مائية باردة تجذب آلاف السكان والوافدين للاغتسال في البحر، في مشهد يمتد لاكثر من خمسة عشر يوماً يحوّل الشريط الساحلي إلى اكتظاظ بشري متفرد ونادر.
الموسم الماضي وحده، سجّل الساحل ما يزيد عن 25 ألف وافد، بينهم أجانب وزوار من دول مجاورة ومحافظات يمنية، وفق سجلات مكتب السياحة . رقمٌ يؤكد أن حضرموت تملك أكبر موسم سياحي في البلاد من حيث التدفق البشري، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا مركزيًا ظل معلقًا طوال السنوات الماضية: كيف يتحول هذا الزخم من مجرد حراك بحري موسمي إلى رافد اقتصادي وثقافي حقيقي؟
من هنا، من هذا السؤال تحديدًا، بدأت استعدادات هذا العام تأخذ مسارًا مختلفًا.
يقول المرشد السياحي هيثم الجابري، وهو يتابع المشهد عن قرب: "موسم البلدة يُعتبر أكبر المواسم السياحية في البلاد، ويتوافد إليه الزوار من مختلف المناطق اليمنية، لكن للأسف، الزوار لا يعرفون سوى الشريط الساحلي خلال نجم البلدة، ويفوتهم الكثير من المعالم السياحية والشواهد الحضارية التي تتميز بها حضرموت ."
تصريح الجابري يختزل إشكالية ظل القطاع السياحي في حضرموت يدور حولها طويلًا: التدفق البشري الهائل يصل إلى الساحل، يغتسل في البحر، ثم يغادر. لا يعرف أن خلف هذا الشريط الرملي تقوم مدن تختزل إرثًا ثقافيًا يعود إلى ما قبل الميلاد، ولا أن حضرموت كانت مهد ممالك وقوافل وطرق تجارة شكلت تاريخ المنطقة. الفجوة ليست في قلة الوافدين، بل في غياب من يروي لهم حكاية المكان. ومن هذه الفجوة، خرجت أول إجابة عملية.
72 متقدمًا.. و25 مرشدًا سياحياً بحضرموت
في خطوة تُعد الأولى من نوعها في المحافظة من حيث التوقيت والهدف، أنهى مكتب السياحة بساحل حضرموت المرحلة الأولى من برنامج تأهيلي متكامل تحت مسمى "الإرشاد السياحي"، تخرّج منها 25 مرشدًا ومرشدة، ليكونوا أول نواة استراتيجية يُعوّل عليها في تغيير وجه السياحة بالمحافظة.
لم تكن الدورة حدثًا عاديًا، لا في مسارها ولا في طريقة انتقاء المشاركين فيها. يكشف الأستاذ مجدي باشادي، المدير العام لمكتب وزارة السياحة بساحل حضرموت، عن التفاصيل الكاملة لمراحل الاختيار:
"تقدم للدورة 72 شخصًا عبر استمارة إلكترونية، وفق معايير وضعها المكتب تضمنت اللغة والتخصص والعمر، ثم اختيرت قائمة أولية ضمت 35 شخصًا، لتليها المرحلة الأخيرة وهي المقابلات الشخصية التي راعت اللغة الإنجليزية، وانتهت باختيار 25 متدربًا."
آلية اختيار صارمة، تؤشر إلى أن المكتب لم يعد يتعامل مع الإرشاد السياحي كوظيفة موسمية هامشية، بل كتخصص دقيق له معاييره، يُبنى وفق احتياج فعلي، وبرؤية بعيدة المدى.
سفراء حضرموت.. من استقبال الوفود إلى المهرجانات
البرنامج التأهيلي، كما يؤكد باشادي، ليس مجرد دورة منعزلة، بل هو اللبنة الأولى في برنامج أوسع يحمل اسم "الإرشاد السياحي"، يستهدف في مراحله المتعاقبة تأهيل المرشدين السياحيين، والاشتغال على تطوير المنشآت السياحية، في رؤية تكاملية تترجم توجيهات وزارة السياحة والسلطة المحلية إلى خطوات قابلة للقياس.
ويضيف المدير العام لمكتب السياحة بساحل حضرموت: "المرشدون المتخرجون سيكونون سفراء لحضرموت عند استقبال الوفود السياحية والدبلوماسية، وسيُشركون في المهرجان التابع لمكتب وزارة السياحة."
وعن الأنشطة المصاحبة، يشير باشادي إلى أن المكتب "صاغ أنشطة متجددة لموسم نجم البلدة"، ويعمل حاليًا "وفق خطة استراتيجية لتطوير قطاع السياحة بشكل عام إداريًا على مستوى المديريات"، في إشارة إلى نقل التجربة من المركز إلى كل الساحل.
صوت الخريجين.. طموح يتجاوز الموسم
في الجهة الأخرى من المشهد، تقف المرشدة السياحية ميساء بلفقيه، إحدى خريجات الدفعة الأولى من البرنامج. حديثها يحمل نبرة مختلفة، نبرة من يرى في الشهادة التي يحملها أكثر من مجرد دورة تدريبية:
"البرنامج نفسه بداية لتوسع كبير في المجال السياحي، ونحن كخريجين ومستفيدين من برنامج الإرشاد السياحي، نسعى كأبناء هذه المحافظة إلى الرقي بالجانب السياحي وخدماته بحضرموت من وأقع مسولية مجتمعية لنعرف كافة الزوار بتفاصيل تراثنا وموروثنا الحضرمي"
تصريح ميساء لا يتحدث عن فرصة عمل فحسب، بل عن انتماء لهذه المحافظة، ورغبة جماعية في إعادة تعريفها للقادمين إليها. هؤلاء الخمسة والعشرون شابًا وشابة، يحملون اليوم على عاتقهم مهمة لم تكن شبة موجودة من قبل : أن يغادر الزائر هذا الموسم وفي ذاكرته أن حضرموت ليست شاطئًا للاغتسال فقط.
حضرموت طوال العام.. مجلس الترويج ورهان الاستدامة
لكن الرهان لا يقف عند موسم البلدة. فهذا الحراك التدريبي يتزامن مع توجه أوسع يقوده مجلس الترويج السياحي، لتعزيز مكانة حضرموت على الخارطة السياحية، وعدم حصرها في موسم بعينه. فالمحافظة تملك من المقومات ما يجعلها وجهة سياحية طوال العام: إرث ثقافي تختزله مناطقها، شواهد حضارة تعود إلى ما قبل الميلاد، مدن تاريخية، وأسواق تراثية، وطبيعة بحرية وجبلية نادرة.
وفي هذا السياق، توضح الأستاذة انتصار هدالي، المدير التنفيذي لمجلس الترويج السياحي، رؤية المجلس: "نسعى لتعزيز السياحة طوال العام بحضرموت، وليس فقط خلال موسم نجم البلدة، فحضرموت تحظى باهتمام ليس محليًا فقط، بل عالميًا، ونأمل أن تتحقق استفادة أكبر في موسم نجم البلدة القادم."
تصريح هدالي يضع نقطة على حرف مهم: موسم البلدة هو ذروة المشهد، لكن حضرموت ليست محصورة فيه. والتحدي الحقيقي هو بناء بنية سياحية مستدامة، تجعل الزائر يعود في غير الموسم، أو يطيل إقامته فيه، لا أن يرحل بعد ساعات من الاغتسال في البحر
إرث ما قبل الميلاد.. مخزون ينتظر الربط
بين يدي هذا الحراك، تقف حضرموت على مفارقة لافتة: ظاهرة بحرية فريدة تجذب عشرات الآلاف كل صيف، وإرث تاريخي وثقافي عميق لا يصل إليه معظمهم. الفجوة هنا، لم تعد فجوة غياب مقومات، بل فجوة غياب ربط بين التدفق البشري والموروث.
ففي الوقت الذي تستقبل فيه سواحل المحافظة أكثر من 25 ألف وافد في أسابيع معدودة، تبقى مدنها القديمة وأسواقها ومواقعها الأثرية خارج مسار الزائر التقليدي، لا لقلة قيمتها، بل لغياب المسار الذي ينقله إليها. وهذا بالتحديد ما يراهن عليه البرنامج الجديد: أن يُنشئ جسرًا بشريًا مؤهلًا، ينقل الزائر من ظاهر الشاطئ إلى باطن الإرث.
استحقاق الموسم القادم.. اختبار النواة الأولى
الاختبار الحقيقي لهذه النواة من المرشدين السياحيين سيكون مع بدء موسم نجم البلدة لهذا العام. خمسة وعشرون شابًا وشابة، سينتشرون لأول مرة في استقبال الزوار، لا لتنظيم حركتهم فحسب، بل لسرد حكاية حضرموت لهم. حكاية تبدأ من ظاهرة البحر، لكنها لا تنتهي عنده.
هذا الاستحقاق لا يتعلق فقط بجودة الأداء الفردي للمرشدين، بل بقدرة المنظومة السياحية كلها على احتضان هذه النقلة، من تجهيز المسارات، إلى إشراك المنشآت، إلى فتح المواقع الأثرية والتاريخية أمام الزوار بشكل منظم، إلى خلق تجربة متكاملة تدفع الزائر إلى البقاء أطول، والإنفاق أكثر، والعودة مجددًا.
من الشاطئ إلى السردية.. رحلة لم تبدأ بعد
في حضرموت، لا ينقصها الزوار، ولا ينقصها الإرث. ما كان ينقصها، هو الخيط الذي يربط بينهما. وهذا الخيط، بدأ يُغزل اليوم، على يد 25 مرشدًا ومرشدة، في مرحلة أولى، تنتظرها مراحل.
أن يغادر الزائر وفي ذاكرته أن حضرموت ليست شاطئًا للاغتسال فحسب، بل حكايةٌ تمتد من قبل الميلاد، تنتظر من يرويها. هذا هو الرهان. وهذا هو الفرق بين موسم ينتهي بانحسار التيارات الباردة، وموسم يترك أثره في ذاكرة من حضره، وفي اقتصاد من استضافه، وفي صورة المحافظة التي تستحق أن تُرى كما هي: قبلة السياحة اليمنية، بلا منازع.