تواصل معنا عبر النموذج أدناه:

حضرموت النفطية.. حين تسخر الجغرافيا من ساكنيها

حضرموت، وتحديداً منطقة الامتياز النفطي في المسيلة والقطاعات المحيطة، تمثل أحد أهم مصادر الثروة في بلادنا منذ عقود، تتدفق من أرضها ملايين براميل النفط إلى الأسواق العالمية، ووقعت الحكومات المتعاقبة اتفاقيات مشاركة إنتاج مع شركات عملاقة، وذهب النفط الحضرمي يغذي خزائن الدولة المركزية ومسؤليها، ويُسدد التزامات مالية خارجية، ويساهم في إيرادات لم تنعكس ولو بجزء يسير على حياة المواطن في حضرموت.

خلال الأيام الماضية، عاد الحديث عن "إعادة تصدير النفط" كحل سحري يلوح به البعض لامتصاص الغضب الشعبي، وهنا يجب أن نكون واضحين وصريحين مع المواطنين الحضارم.. إعادة التصدير لن تحل مشكلة الكهرباء. لماذا؟ لأن التاريخ يقدم الدليل الدامغ.

 لثلاثين عاماً – وليس ثلاثة أعوام – صُدر نفط حضرموت، أين ذهبت تلك المليارات من الدولارات؟ هل بُنيت محطة كهرباء استراتيجية واحدة تلبي احتياجات ساحل حضرموت وواديها لعشرات السنين؟ هل أُنجزت شبكة نقل متطورة؟ هل استُثمر في الطاقة البديلة باكراً كما فعلت دول نفطية مجاورة استعداداً لمرحلة ما بعد النفط؟

الجواب: لا شيء. ملايين البراميل غادرت ميناء الضبة، وبقي أبناء حضرموت ينتظرون كهرباء مستقرة، واليوم، يُروج للتصدير مجدداً وكأنه إنجاز، بينما الحقيقة المرة تقول إنه استمرار لنهج الاستنزاف نفسه، بتجميل مختلف.

"عقد من الظلام المتعمد".. حين تصبح الكهرباء سلاحًا موجهًا ضد المواطن

لم تعد أزمة الكهرباء في حضرموت تحدٍ تنموي يمكن تجاوزه بتمويل طارئ أو منحة وقود سريعة، هي اليوم وبعد أكثر من عقد من الزمن، واحدة من أوضح تجليات استخدام الخدمة العامة كأداة ضغط سياسي ممنهج، تُستهدف بها حياة المواطنين اليومية، وتُسحق معها أحلام الاستقرار والتنمية.

آلة التعذيب الجماعي الممنهج

من يتابع المشهد الكهربائي في عدن وحضرموت خلال السنوات العشر الماضية، يدرك بسهولة أن الأزمة تتبع إيقاعاً سياسياً لا علاقة له بكميات الوقود المتاحة أو قدرة المحطات التوليدية، وترتفع ساعات الانقطاع قبيل أي استحقاق سياسي، أو عند تصاعد مطالب حقوقية، أو في أعقاب أي حراك شعبي يطالب برواتب متأخرة أو خدمات غائبة.

في حضرموت وعدن، حيث تلامس درجات الحرارة مستويات قياسية معظم أيام السنة، يتحول انقطاع الكهرباء إلى عقوبة جماعية، مرضى الفشل الكلوي، وطلاب الثانوية، وأصحاب الورش الصغيرة، جميعهم رهائن لسياسة "إدارة العتمة"، ليس هناك تفسير منطقي لمدينة مثل عدن، كانت تدار فيها الكهرباء بكفاءة نسبية في فترات سابقة، أن تصبح رهينة لصهاريج وقود تصل أو لا تصل وفق حسابات لا يفهمها المواطن، لكن القصة في حضرموت أكثر إيلاماً وتناقضاً.

"منطقة الامتياز".. امتياز لمن؟

في النقاش العام، كثيراً ما يُشار إلى حضرموت بأنها "منطقة امتياز". هذا الوصف يُستخدم غالباً لترسيخ فكرة أن حضرموت ليست كغيرها من المحافظات. لكن السؤال الجوهري: امتياز لمَن؟

هل هو امتياز للحكومة المركزية كي تنعم بالريع النفطي بينما يعاني الحضارم من انقطاع الكهرباء لأكثر من 15 ساعة يومياً في بعض المديريات؟ هل هو امتياز للشركات الأجنبية التي التزمت – نظرياً – ببنود تنمية مستدامة في اتفاقياتها، لكنها على أرض الواقع لم تترك خلفها سوى طرق زراعية بسيطة ومدارس محدودة، في مقابل مليارات الدولارات من العائدات الصافية على مدى عمر الامتياز؟

أين محطة كهرباء المسيلة المركزية في حضرموت التي كان يجب أن تُبنى بقيمة جزء يسير من عائدات النفط الذي صدر لعقود؟ أين محطة الطاقة الشمسية التي كان يمكن أن تكون الأكبر في اليمن، وتمويلها من حصة الدولة في النفط الخام؟ أين الوعود التي قُطعت لأبناء حضرموت بأنهم "أصحاب الثروة"؟

المواطن الحضرمي اليوم لا يريد شعارات، يريد تفسيراً واحداً مقنعاً، لماذا، بعد ثلاثين عاماً من ضخ النفط من باطن أرضه، لا يزال طفله يذاكر على ضوء "الشمعة" أو المصباح الصغير الذي يعمل ببطارية سيارة؟

استراتيجية الإفقار والإذلال

الاستخدام السياسي لملف الكهرباء في حضرموت وعدن لا يمكن فصله عن سياق أوسع: إنها استراتيجية الإفقار والإذلال المتعمد. عندما تنهار الكهرباء، تنهار معها الخدمات الصحية، ويفقد الطالب قدرته على التعلم، ويتوقف النشاط التجاري الصغير، وتُستنزف ميزانية الأسرة لشراء وقود المولدات أو ألواح طاقة شمسية رديئة وبطاريات لا تعمّر طويلاً. إنها دائرة مفرغة من الفقر تُفرض فرضاً.

وفي كل مرة يخرج فيها المواطن للاحتجاج، يُرمى بالاتهامات الجاهزة: "مخرب"، "مشبوه"، "يعرقل جهود الدولة". تُستخدم الكهرباء كعقاب: زاد الاحتجاج؟ زادت ساعات الإطفاء. هدأت الأوضاع؟ ربما زادت ساعة تشغيل هنا أو هناك. إنها لعبة القط والفأر، حيث القط يمسك بمفتاح الحياة.

السلطة المحلية في حضرموت: اتجاه جديد نحو الحل الجذري

في خضم هذا المشهد القاتم، يبرز تحرك لافت من قيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت، بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت الأستاذ سالم أحمد الخنبشي. هذا التحرك يُفهم في سياقه الصحيح كإدراك متأخر، لكنه ضروري، بأن حل أزمة الكهرباء تأتي من القرار الحضرمي المستقل الذي يضع يده على موضع الداء ويبدأ في رحلة العلاج الذاتي.

ما جرى اليوم (الاثنين) في لقاء المحافظ الخنبشي يمثل نقلة نوعية في هذا السياق. فقد شهد الاجتماع الإعلان عن التوقيع على مشروع الطاقة الشمسية الاستراتيجي، وهو مشروع أصبح عقداً موقعاً، والتزاماً واضحاً بالسير نحو الحل الجذري.

توقيع هذا المشروع يُقرأ في أكثر من اتجاه:

أولاً: إنه اعتراف ضمني بأن رهان حضرموت على الحلول المركزية، أو على عائدات النفط المُدارة من خارجها، كان رهاناً خاسراً لعقود. الطاقة الشمسية، بتوليدها اللامركزي، واستدامتها، واستقلاليتها عن إمدادات الوقود، هي الإجابة العملية الوحيدة.

ثانياً: إنه إعلان عن بدء فك ارتباط كهرباء حضرموت عن الألاعيب السياسية. عندما تمتلك المحافظة قدرات توليد شمسية موزعة على مديرياتها، تصبح أقل عرضة للابتزاز بملفات الوقود أو الصيانة أو الميزانية المركزية.

ثالثاً: إنه يضع الكرة في ملعب المانحين والجهات الدولية التي طالما تحدثت عن دعم الطاقة النظيفة في اليمن. اليوم، حضرموت لا تطلب دراسات، بل تطلب تمويلاً لمشروع واضح ومحدد، بقيادة سلطة محلية جادة.

إن ما يعانيه أبناء حضرموت وعدن من انقطاع الكهرباء نتيجة سياسة متعمدة، تُدار بمهارة لإبقاء المواطن في حالة وهن واحتياج دائمين، فيمسك برغيفه قبل حريته، وبساعة الكهرباء قبل صوته.

مقولة "عودوا للتصدير تحل مشاكلكم" هي خدعة كبرى جُرّبت لثلاثين عاماً وأثبتت فشلها الذريع. الحل لا يخرج من باطن الأرض عبر أنبوب نفطي، بل من فوقها: من الشمس التي تشرق على وادي حضرموت وساحلها كل يوم، دون أن تستأذن أحداً.

جهود المحافظ الخنبشي متابعة المحطات الاسعافية 200 ميقاوات بتنسيق ودعم البرنامج السعودي، تمثل ومضة أمل حقيقية في نفق العتمة الطويل. لكنها ومضة تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة، وشفافية في التنفيذ، وحماية المشروع من الناهبين والمتاجرين بالأزمات. الأهم من ذلك، تحتاج إلى يقظة شعبية تدرك أن الكهرباء ليست منّة من أحد، بل حق مسلوب، وأن الطريق لاستعادته يبدأ حين يمسك الحضارم بقرارهم بأنفسهم، ويقولون بصوت واحد: "انتهى زمن الظلام".