حضرموت تدفع فاتورة العجز المركزي.. ملايين الدولارات من مشاريع التنمية إلى فاتورة الكهرباء
في مشهد يعكس فجوة متزايدة بين التزامات السلطة المركزية وواقع المحافظات، تتصاعد الأزمة في محافظة حضرموت بعد أن كُشفت تفاصيل عقود طاقة ثقيلة، وقعتها وزارة الكهرباء مع شركتي "الأهرام" و"الجزيرة"، وانتهى الأمر بتحميل السلطة المحلية أعباءها المالية كاملة، على حساب مشاريع تنموية حيوية وحقوق المواطنين في الخدمات الأساسية.
مصادر حكومية متطابقة أكدت لـ"منصة حضرموت للصحافة" أن السلطة المحلية في حضرموت اضطرت، خلال الأعوام الماضية، إلى دفع ملايين الدولارات لتلك الشركات المتعاقدة مع المركز، بعد أن تخلت الحكومة عن سداد التزاماتها التعاقدية التي تجاوزت قيمتها الإجمالية 100 مليون دولار. هذه المدفوعات، التي خُصصت لضمان استقرار التيار الكهربائي خلال مواسم الصيف القاسية، جرى اقتطاعها مباشرة من موازنات مشاريع الطرق والمياه والصحة والتعليم.
عقود بمليارات الريالات.. والتزامات لم ترَ النور
تتعلق الأزمة بعقود شراء طاقة موقعة بين وزارة الكهرباء في حكومة المركز وشركتي الطاقة "الأهرام" و"الجزيرة". ووفقاً لوثائق اطلعت عليها "منصة حضرموت للصحافة"، فإن قيمة العقود تجاوزت حاجز 100 مليون دولار أميركي، وقد أُلزمت بموجبها الشركتان بتزويد شبكة الكهرباء في حضرموت بقدرات إضافية لمواجهة العجز المزمن في التوليد.
غير أن المركز، وبعد أشهر من التشغيل الفعلي، توقف عن دفع المستحقات المالية الدورية للشركتين، متجاهلاً بنود العقود والضمانات المقدمة، ومع تراكم المديونية أصبح استمرار الخدمة مهددًا بشكل مباشر، خصوصًا مع دخول فصل الصيف حيث يرتفع الطلب على الطاقة إلى مستويات قياسية.
السلطة المحلية أمام خيارين أحلاهما مُر
في ظل هذا التخلي المركزي، وجدت قيادة السلطة المحلية بحضرموت نفسها بين مطرقة الانقطاعات الكارثية التي قد تشعل غضب الشارع، وسندان دفع مبالغ ضخمة من الخزينة المحلية لإبقاء التوربينات عاملة، وقد اختارت الثانية، كما تؤكد المصادر، على كره.
وقال مسؤول رفيع في السلطة المحلية، فضل عدم ذكر اسمه: "لم يكن لدينا رفاهية الانتظار، دفعنا عشرات الملايين من الدولارات من إيرادات المحافظة الذاتية ومن مخصصات برامج التنمية، لأن انهيار الكهرباء في صيف حضرموت لم يكن خيارًا وارداُ، خصوصًا في ظل الظروف المناخية القاسية والأوضاع الإنسانية الصعبة."
ثمن باهظ: التنمية ضحية الكهرباء
التكلفة الحقيقية لهذه القرارات لم تكن أوراقًا مالية فحسب، بل كانت مشاريع بأكملها اختفت من خطط السلطة المحلية. فالملايين التي ذهبت لشركات "الطاقة المشتراة" جرى خصمها من أرصدة كانت مخصصة لشق طرق ريفية، وتأهيل مرافق صحية، وتوسعة شبكات المياه، وحتى دعم برامج التعليم.
وتكشف المعطيات أن المدفوعات التي سددتها حضرموت نيابة عن المركز تأتي من إجمالي الموازنة الاستثمارية للمحافظة في عام واحد، ما تسبب في توقف شبه كامل للمشاريع الجديدة، وتعثر أعمال الصيانة في قطاعات حيوية، وزاد من الاحتقان الشعبي إزاء تردي الخدمات رغم الموارد الكبيرة التي تزخر بها المحافظة.
"شركات مشتراة" في دائرة الضوء
لم يصدر أي تعليق رسمي من وزارة الكهرباء أو الحكومة المركزية حول أسباب العجز عن الوفاء بالعقود الموقعة مع شركتي "الأهرام" و"الجزيرة"، رغم مناشدات متكررة من السلطة المحلية لتحويل المستحقات، حيث يرى مراقبون أن هذا الصمت يعكس إما عجزًا ماليًا خانقًا في موازنة المركز، أو خللاً في إدارة ملف الطاقة على المستوى الوطني، حيث تُوقع التزامات بمليارات الريالات دون وجود ضمانات تمويلية حقيقية.
أما الشركتان، فقد أكدت مصادرهما أنهما مستمرتان في توليد الطاقة بموجب تفاهمات مباشرة مع السلطة المحلية التي أصبحت الطرف الوحيد الملتزم بالدفع، محذرتين من أن أي تأخير في المستحقات المستقبلية قد يضطرهما إلى خفض الإنتاج، وهو ما سيعيد دوامة الأزمة إلى نقطة الصفر.
في خلاصة المشهد تختزل قصة عقود "الأهرام" و"الجزيرة" مأساة متكررة في هيكل الدولة؛ حيث تبرم المركز اتفاقيات لا يتحمل تبعاتها، لتقع فاتورة إنقاذ الخدمة على كاهل المحافظات المنتجة، وفي حضرموت تحولت الكهرباء من حق أساسي تكفله الحكومة إلى عبء يلتهم أحلام التنمية، ويُبقي ملايين السكان رهائن لصراع غير معلن بين المركز والأطراف، يدفعون ثمنه من جيوبهم وحصتهم من النماء.