زيادة شكلية ورواتب تذوب في السوق.. قرارات حكومية بين وعود التخفيف المعيشي ومخاوف موجة غلاء جديدة
أقرّ مجلس الوزراء اليمني، في اجتماعه المنعقد، أمس الثلاثاء، بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة شائع محسن الزنداني، حزمة من القرارات الاقتصادية والإدارية، شملت صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لموظفي الدولة، وتنفيذ العلاوات السنوية المتوقفة، ومعالجة التسويات الوظيفية، إلى جانب قرار مثير للجدل يقضي برفع سعر الدولار الجمركي من 750 ريالًا إلى 1550 ريالًا للدولار الواحد.
ورغم أن الحكومة قدمت هذه القرارات باعتبارها جزءًا من إصلاحات اقتصادية وإدارية تهدف إلى تخفيف الأعباء المعيشية وتحسين الإيرادات العامة، إلا أن ردود الفعل الشعبية والاقتصادية بدت أكثر تشاؤمًا، خصوصًا مع التحذيرات من انعكاسات رفع الدولار الجمركي على أسعار السلع والخدمات في بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد الخارجي.
زيادة لا تواكب الانهيار لبدل غلاء المعيشة
بحسب القرار الحكومي، سيحصل موظفو الدولة على زيادة بنسبة 20% من إجمالي الراتب الأساسي، وهي خطوة اعتبرها البعض إيجابية من حيث المبدأ، لكنها عمليًا تبدو محدودة التأثير أمام الانهيار الحاد للعملة وارتفاع تكاليف المعيشة.
فالموظف الذي يتراوح راتبه بين 40 ألفًا و100 ألف ريال، لن تتجاوز الزيادة التي سيحصل عليها ما بين 8 آلاف إلى 20 ألف ريال تقريبًا، وهو مبلغ لا يغطي حتى الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الغذاء والمواصلات والطاقة والخدمات.
ويرى مراقبون أن أي زيادة نقدية غير مرتبطة بإجراءات حقيقية لضبط السوق واستقرار العملة ستفقد قيمتها سريعًا، إذ غالبًا ما تلتهمها موجات الغلاء خلال فترة قصيرة.
وفي هذا السياق، علّق عضو مجلس الشورى اليمني الدكتور فؤاد بن الشيخ أبوبكر قائلًا إن قرار زيادة بدل غلاء المعيشة خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه حذر في المقابل من أن رفع التعرفة الجمركية سيرفع قيمة كل السلع بلا استثناء وسيزيد المواطن نكبة على نكباته، متسائلًا: من المستفيد من هذا القرار، الدولة أم المواطن؟.
وأشار بن الشيخ أبو بكر إلى أن معالجة الفساد والتهرب الضريبي ووقف تهريب المشتقات النفطية كان يفترض أن يسبق اللجوء إلى ما وصفها بـ الحلول الترقيعية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط.
موجة أسعار جديدة تزامنًا مع تحرير الدولار الجمركي
القرار الأكثر إثارة للجدل تمثل في مضاعفة سعر الدولار الجمركي من 750 إلى 1550 ريالًا، وهو السعر الذي تعتمد عليه السلطات في احتساب الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة.
اقتصاديًا، يعني ذلك ارتفاع تكلفة الاستيراد على التجار، وبالتالي انتقال هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي عبر رفع الأسعار في الأسواق.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت قيمة بضاعة مستوردة تبلغ 100 دولار:
قبل القرار: 100 × 750 = 75,000 ريال قيمة جمركية، لتصبح بعد القرار:
100 × 1550 = 155,000 ريال قيمة جمركية.
أي أن الرسوم الجمركية ستُحتسب على قيمة مضاعفة تقريبًا، وهو ما يرفع كلفة الاستيراد بصورة كبيرة.
ورغم تأكيد الحكومة أن القرار لن يشمل السلع الأساسية المعفاة من الرسوم الجمركية، إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن السوق المحلية غالبًا ما تتعامل مع أي جرعة اقتصادية باعتبارها مبررًا عامًا لرفع أسعار معظم السلع والخدمات.
اقتصاد يعتمد على الاستيراد
تكمن خطورة القرار، وفق مراقبين، في أن الاقتصاد المحلي لا يمتلك قاعدة إنتاجية أو صناعية حقيقية يمكن أن تخفف آثار ارتفاع الاستيراد، إذ تعتمد البلاد بشكل شبه كامل على السلع المستوردة، سواء الغذائية أو الاستهلاكية أو حتى مدخلات الخدمات الأساسية.
وبالتالي فإن أي زيادة في تكلفة الاستيراد تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حياة المواطنين، حتى لو تم استثناء بعض المواد الغذائية من الرسوم الجديدة.
الصحفي وديد ملطوف علّق ساخرًا على القرار بالقول: هل تحرير سعر الدولار الجمركي يشمل سعر الكباش؟ انتبهوا باقي أسبوع للعيد، في إشارة إلى التخوف من ارتفاع أسعار الأضاحي والسلع الموسمية.
وأضاف أن رفع الدولار الجمركي في هذا التوقيت قرار غير موفق، معتبرًا أن الحديث عن اقتصار التأثير على السلع الكمالية غير مقنع، لأن التاجر يرفع أسعار كل شيء دون استثناء، بينما المواطن وحده من يدفع الثمن.
هل تحقق الدولة إيرادات فعلية؟
الحكومة بررت القرار بأنه يهدف إلى توحيد الأوعية الإيرادية وتحسين التحصيل الجمركي ومعالجة التشوهات السعرية، إلا أن خبراء اقتصاد يشيرون إلى أن النتائج قد تكون أقل من المتوقع بسبب التهرب الجمركي، وضعف الرقابة، واستمرار التسرب المالي خارج الدورة الرسمية.
الدكتور عارف محمد عباد السقاف قدّم قراءة اقتصادية أكثر توازنًا، موضحًا أن المواد الغذائية الأساسية مستثناة أصلًا من القرار، وبالتالي لا يفترض أن ترتفع أسعارها بصورة مباشرة.
لكنه أشار في المقابل إلى أن الأسواق قد تشهد ارتفاعات غير مبررة بسبب سلوك التجار وضعف الرقابة، مؤكدًا أن التأثير الأكبر سيطال السلع غير الغذائية والخدمات المرتبطة بالنقل والتشغيل.
وبيّن السقاف أن بعض الزيادات ستكون محدودة نظريًا، لكنها عمليًا قد تتحول إلى ارتفاعات كبيرة بسبب المبالغة في التسعير واستغلال الأوضاع الاقتصادية.
كما حذر من أن رفع الرسوم قد يؤدي إلى زيادة التهريب الجمركي، وخروج بعض صغار التجار من السوق، وزيادة الاحتكار وتمركز التجارة، وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة عامة، بالإضافة إلى انتقادات لغياب الإصلاحات الحقيقية.
من جهته، انتقد الصحفي ياسر اليافعي ما وصفه بمحاولات تلميع القرار، معتبرًا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في المواطن، بل في غياب الإصلاحات الحكومية الفعلية.
وتساءل اليافعي عن غياب برنامج إصلاح اقتصادي واضح؟ وموازنة عامة شفافة؟ وخطة لرفع الرواتب بما يتناسب مع التضخم؟ وكذا استراتيجية لمحاربة الفساد والوظائف الوهمية؟.
واعتبر أن مضاعفة الجمارك لن تعود بالفائدة على المواطن، بل ستذهب -بحسب وصفه- إلى شبكات المصالح والوكلاء وأصحاب الامتيازات، بينما سيواجه المواطن مزيدًا من الغلاء والانهيار المعيشي.
بين الإصلاح والعبء المعيشي
ورغم أن الحكومة تحاول تقديم قراراتها باعتبارها جزءًا من إصلاحات مالية ضرورية، إلا أن الشارع يبدو أكثر قلقًا من النتائج المباشرة على حياته اليومية، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية وانهيار العملة وغياب الرقابة الفعالة على الأسواق.
وفي ظل اقتصاد هش يعتمد على الاستيراد، وبيئة رقابية ضعيفة، يخشى كثيرون أن تتحول زيادة بدل غلاء المعيشة إلى مجرد رقم رمزي تبتلعه الأسواق سريعًا، بينما يقود رفع الدولار الجمركي إلى موجة أسعار جديدة تثقل كاهل المواطنين الذين يعيشون أصلًا واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية والمعيشية.